أحمد بن محمد القسطلاني

117

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( فالقاتل والمقتول في النار ) إذا كان القاتل منهما بغير تأويل سائغ أما إذا كانا صحابيين فأمرهما عن اجتهاد وظن لإصلاح الدين فالمصيب منهما له أجران والمخطئ أجر ، وإنما حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة ، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك وشهد مع علي باقي حروبه ، ولا يقال إن قوله فالقاتل والمقتول في النار يشعر بمذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب للعاصي ، لأن المعنى أنهما يستحقان وقد يعفى عنهما أو واحد منهما فلا يدخلان النار كما قال تعالى : { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } [ النساء : 93 ] أي جزاؤه وليس بلازم أن يجازى . قال أبو بكرة ( فقلت ) وللأربعة وكريمة قلت ( يا رسول الله هذا القاتل ) يستحق النار لكونه ظالمًا ( فما بال المقتول ) وهو مظلوم ؟ ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ) مفهومه أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ، ولا تنافي بين هذا وبين قوله في الحديث الآخر " إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها عليه " لأن المراد أنه لم يوطن نفسه عليها بل مرت بفكره من غير استقرار ، ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم : أيوب والحسن والأحنف ، واشتمل على التحديث والعنعنة والسماع ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الفتن ، ومسلم وأبو داود والنسائي . 23 - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ هذا ( باب ) بالتنوين ( ظلم دون ظلم ) أي بعضه أخف من بعض ، وهذه الترجمة لفظ رواية حديث رواه الإمام أحمد من كتاب الإيمان من حديث عطاء . 32 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ . ح . قَالَ : وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتِ { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نفسه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } . [ الحديث 32 - أطرافه في : 3360 ، 3428 ، 3429 ، 4629 ، 4776 ، 6918 ، 6937 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا أبو الوليد ) هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري السابق ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( ح ) مهملة ( قال : وحدّثني ) بالإفراد ( بشر ) كذا في فرع اليونينية كهي ، وفي بعض الأصول وهو لكريمة ح . وحدّثني بشر قال في الفتح : فإن كانت - يعني الحاء المفردة - من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار ، وإن كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري لأنها رمزه ، أي قال البخاري : وحدْثني بشر ، لكن في بعض الروايات المصححة وحدّثني بواو العطف من غير حاء قبلها ، وبشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة ، وفي رواية ابن عساكر بن خالد أبو محمد العسكري كما في فرع اليونينية كهي المتوفى أبو بشر المذكور سنة ثلاث وخمسين ومائتين ( قال : حدّثنا محمد ) وفي رواية ابن عساكر محمد بن جعفر كما في الفرع أيضًا كاليونينية الهذلي البصري المعروف بغندر المتوفى فيما قاله أبو داود سنة ثلاث وتسعين ومائة ( عن شعبة ) بن الحجاج ( عن سليمان ) بن مهران الأعمش الأسدي الكاهلي الكوفي ، ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وعند المؤلف سنة ستين المتوفى سنة ثمان ومائة ( عن إبراهيم ) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمران الكوفي الفقيه الثقة ، وكان يرسل كثيرًا ، المتوفى وهو مُختَفٍ من الحجاج سنة ست وتسعين وهو من الخامسة ( عن علقمة ) بن قيس بن عبد الله ، المتوفى سنة اثنتين وستين ، وقيل : وسبعين ( عن عبد الله ) بن مسعود رضي الله عنه . ( قال لما نزلت ) زاد الأصيلي قال : لما نزلت هذه الآية : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم } { أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون } [ الأنعام : 82 ] وقوله : بظلم أي عظيم أي لم يخلطوه بشرك إذ لا أعظم من الشرك ، وقد ورد التصريح بذلك عند المؤلف من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ولفظه : قلنا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه ؟ قال : ليس كما تقولون بل لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك ألم تسمعوا إلى قول لقمان فذكر الآية الآتية ، لكن منع التيمي تصوّر خلط الإيمان بالشرك وحمله على عدم حصول الصفتين لهم كفر متأخر عن إيمان متقدّم . أي : لم يرتدوا أو المراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا أي لم ينافقوا وهذا أوجه . ( قال أصحاب رسول الله ) وللأصيليّ النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أينا لم يظلم نفسه ) مبتدأ وخبر والجملة مقول القول ( فأنزل الله ) ولأبي ذر والأصيلي ، فأنزل الله عز وجل عقب ذلك ( إن الشرك لظلم عظيم ) إنما حملوه على العموم لأن قوله بظلم نكرة في سياق النفي ، لكن عمومها