أحمد بن محمد القسطلاني
118
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
هنا بحسب الظاهر . قال المحققون : إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقوّيه نحو : من في قوله : ما جاءني من رجل أفاد تنصيص العموم ، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية ، وبيّن لهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ظاهره غير مراد ، بل هو من العام الذي أريد به الخاص ، والمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك ، وإنما فهموا حصر الأمن والاهتداء فيمن لم يلبس إيمانه حتى ينتفيا عمن لبس من تقديم لهم على الأمن في قوله لهم الأمن أي : لهم لا لغيرهم ومن تقديم وهم على مهتدون . وفي الحديث أن المعاصي لا تسمى شركًا وأن من لم يشرك بالله شيئاً فله الأمن وهو مهتدٍ . لا يقال : إن العاصي قد يعذب فما هذا الأمن والاهتداء الذي حصل له ؟ لأنه أجيب بأنه آمن من التخليد في النار مهتدِ إلى طريق الجنة انتهى . وفيه أيضًا : أن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له ، وأن العامّ يطلق ويراد به الخاصّ ، فحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم ، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه ، وأن المفسر يقضي على المجمل ، وأن النكرة في سياق النفي تعم ، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض . وفي إسناده رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم : الأعمش عن شيخه إبراهيم النخعي عن خاله علقمة بن قيس والثلاثة كوفيون فقهاء ، وهذا أحد ما قيل فيه إنه أصح الأسانيد ، وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلف فيما مرّ في رواية حفص بن غياث عنه حدّثنا إبراهيم ، وفيه التحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة ، وأخرج متنه المؤلف أيضًا في باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي التفسير ، ومسلم في الإيمان والترمذي . ولما فرغ المؤلف من بيان مراتب الكفر والظلم وأنها متفاوتة عقبه بأن النفاق كذلك فقال : 24 - باب عَلاَمَةِ الْمُنَافِقِ هذا ( باب علامات المنافق ) جمع علامة وهي ما يستدل به على الشيء ، وعدل عن التعبير بآيات المنافق المناسب للحديث المسوق هنا للعلامات موافقة لما ورد في صحيح أبي عوانة ، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي ، والجمع في العلامات رواية الأربعة . والنفاق لغة مخالفة الظاهر للباطن فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر ، وإلا فهو نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه ، ولفظ المنافق من باب المفاعلة وأصلها أن تكون بين اثنين لكنها هنا من باب خادع وطارق . 33 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ » . [ الحديث 33 - أطرافه في : 2682 ، 2749 ، 6095 ] . وبالسند إلى المصنف قال : ( حدّثنا سليمان أبو الربيع ) بن داود الزهراني العتكي المتوفى بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين ( قال : حدّثنا إسماعيل بن جعفر ) هو ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني قارئ أهل المدينة الثقة الثبت وهو من الثامنة المتوفى ببغداد سنة ثمانين ومائة ( قال : حدّثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل ) الأصبحي التيمي المدني من الرابعة المتوفى بعد الأربعين ( عن أبيه ) مالك جدّ إمام الأئمة المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائة ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( آية المنافق ) أي علامته واللام للجنس وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو آية ليطابق الخبر الذي هو ( ثلاث ) وأجيب : بأن الثلاث اسم جمع ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث . وقال الحافظ ابن حجر : الإفراد على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث . قال : والأوّل أليق بصنيع المؤلف ولهذا ترجم بالجمع انتهى . وتعقبه العلامة العيني فقال : كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك لأن التاء فيها كالتاء في تمرة ، فالآية والآي كالتمرة والتمر . قال : وقوله إنما تحصل باجتماع الثلاث يشعر بأنه إذا وجد فيه واحد من الثلاث لا يطلق عليه منافق وليس كذلك بل يطلق عليه اسم المنافق ، غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملاً . وأجيب بأنه مفرد مضاف فيعم كأنه قال : آياته ثلاث . ( إذا حدّث ) في كل شيء ( كذب ) أي أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب ( وإذا وعد ) بالخير في المستقبل ( أخلف ) فلم يَفِ وهو من عطف الخاص على العامّ ، لأن الوعد نوع من التحديث وكان داخلاً في قوله : وإذا حدّث ولكنه أفرده بالذكر معطوفًا تنبيهًا على زيادة قبحه . فإن قلت : الخاص إذا