أحمد بن محمد القسطلاني
106
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
البقرة الحمقاة لأنها تنبت سريعًا . ( في جانب السيل ، ألم تر ) لكل من يتأتى منه الرؤية ( أنها تخرج ) حال كونها ( صفراء ) تسرّ الناظر ، وحال كونها ( ملتوية ) ، أي منعطفة منثنية ، وهذا مما يزيد الرياحين حسنًا باهتزازه وتمايله ، فالتشبيه من حيث الإسراع والحسن ، والمعنى من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متبخترًا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متمايلة ، وحينئذ فيتعين كون أل في الحبة للجنس فافهم ، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في صفة الجنة والنار ، حيث أخرج المؤلف هذا الحديث . وقد أخرجه مسلم أيضًا في الإيمان ، وهو من عوالي المؤلف على مسلم بدرجة ، وأخرجه النسائي أيضًا ، وليس هو في الموطأ . وهو هنا قطعة من الحديث الآتي إن شاء الله تعالى بعون الله مع مباحثه . وبه قال ( قال وهيب ) بضم أوّله وفتح ثانيه مصغرًا آخره موحدة ، ابن خالد بن عجلان الباهلي البصري ، ( حدّثنا عمرو ) بفتح العين ابن يحيى المازني السابق قريبًا ( الحياة ) بالجر على الحكاية ، وهو موافق لمالك في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده ، ولم يشك كما شك مالك أيضًا . ( وقال ) وهيب أيضًا في روايته مثقال حبة من ( خردل من خير ) بدل من إيمان ، فخالف مالكًا في هذه اللفظة . وهذا التعليق أخرجه المصنف مسندًا في الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد به ، وسياقه أتم من سياق مالك لكنه قال من خردل من إيمان كرواية مالك ، وفي هذا الحديث الرد على المرجئة لما تضمنه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان ، وعلى المعتزلة القائلين بأن المعاصي موجبة للخلود في النار . 23 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ » . قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : « الدِّينَ » . [ الحديث 23 - أطرافه في : 3691 ، 7008 ، 7009 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن عبيد الله ) بالتصغير ابن محمد بن زيد القرشي الأموي المدني مولى عثمان بن عفان ، ( قال حدّثنا إبراهيم بن سعد ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحرث بن زهرة التابعي الجليل المدني المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة ، ( عن صالح ) أبي محمد بن كيسان الغفاري المدني التابعي المتوفى بعد أن بلغ من العمر مائة وستين سنة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين ، ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن أبي أمامة ) بضم الهمزة أسعد المختلف في صحبته ، ولم يصح له سماع المذكور في الصحابة لشرف الرؤية ، ( ابن سهل ) ، وللأصيلي وأبي الوقت زيادة ابن حنيف بضم المهملة المتوفى سنة مائة ، ( أنه سمع أبا سعيد ) سعد بن مالك ( الخدري ) رضي الله عنه حال كونه ( يقول قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( بينا ) بغير ميم ( أنا نائم رأيت الناس ) ، من الرؤيا الحلمية على الأظهر أو من الرؤية البصرية فتطلب مفعولاً واحدًا وهو الناس ، وحينئذ فيكون قوله ( يعرضون عليّ ) جملة حالية أو علمية من الرأي ، وحينئذ فتطلب مفعولين وهما الناس يعرضون عليّ أي يظهرون ليس ( وعليهم قمص ) بضم الأوّلين جمع قميص والواو للحال ( منها ) أي من القمص ، ( ما ) أي الذي ( يبلغ الثدي ) بضم المثلثة وكسر المهملة وتشديد المثناة التحتية جمع ثدي يذكر ويؤنث للمرأة والرجل ، والحديث يردّ على من خصّه بها وهو هنا نصب مفعول يبلغ والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الموصول ، وفي رواية أبي ذر الثدي بفتح المثلثة وإسكان الدال ( ومنها ) أي من القمص ، ( ما دون ذلك ) . أي لم يصل للثدي لقصره . ( وعرض علي ) بضم العين وكسر الراء مبنيًّا للمفعول ( عمر بن الخطاب ) بالرفع نائب عن الفاعل رضي الله عنه ( وعليه قميص يجره ) لطوله ، ( قالوا ) أي الصحابة ولابن عساكر في نسخة قال أي عمر بن الخطاب أو غيره أو السائل أبو بكر الصديق كما يأتي إن شاء الله تعالى في التعبير ، ( فما أوّلت ) فما عبرت ( ذلك يا رسول الله ، قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوّلت ( الدين ) بالنصب معمول أوّلت ، ولا يلزم منه أفضلية الفاروق على الصديق ، إذ القسمة غير حاصرة ، إذ يجوز رابع ، وعلى تقدير الحصر فلم يخص الفاروق بالثالث ولم يقصره عليه ، ولئن سلمنا التخصيص به فهو معارض بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التواتر المعنوي الدالة على أفضلية الصديق فلا تعارضها الآحاد ، ولئن