أحمد بن محمد القسطلاني

107

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

سلمنا التساوي بين الدليلين ، لكن إجماع أهل السُّنة والجماعة على أفضليته ، وهو قطعي فلا يعارضه ظني . وفي هذا الحديث ، التشبيه البليغ وهو تشبيه الدين بالقميص لأنه يستر عورة الإنسان ، وكذلك الدين يستره من النار . وفيه الدلالة على التفاضل في الإيمان كما هو مفهوم تأويل القميص ، وبالدين مع ما ذكره من أن اللابسين يتفاضلون في لبسه ، ورجاله كلهم مدنيون كالسابق ، ورواية ثلاثة من التابعين أو تابعيين وصحابيين . وأخرجه المصنف أيضًا في التعبير وفي فضل عمر ، ورواه مسلم في الفضائل والترمذي والنسائي . ولما فرغ المؤلف من بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال شرع يذكر ما ينقص به الإيمان فقال : 16 - باب الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ هذا ( باب ) بالتنوين ( الحياء ) بالمد والرفع مبتدأ خبره ( من الإيمان ) . وحديثه سبق ، وفائدة سياقه هنا أنه ذكر الحياء هنا بالتبعية وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق . 24 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ - وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ » . [ الحديث 24 - طرفه في : 6118 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي السابق ( قال : أخبرنا ) وفي رواية الأصيلي حدّثنا ( مالك ) ، ولكريمة وأبي الوقت مالك بن أنس أي إمام دار الهجرة رحمه الله ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ، ( عن سالم بن عبد الله ) بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة في أحد الأقوال ، المتوفى سنة ست أو خمس أو ثمان ومائة ، ( عن أبيه ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرَّ ) أي اجتاز ( على رجل من الأنصار وهو ) أي حال كونه ( يعظ أخاه ) من الدين أو النسب ، قال في المقدمة ولم يسميا جميعًا ( في ) شأن ( الحياء ) بالمد وهو تغيير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم . قال الراغب : وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي ، فلا يكون كالبهيمة . والوعظ النصح والتخويف والتذكير . وقال الحافظ ابن حجر : والأولى أن يشرح بما عند المؤلف في الأدب المفرد بلفظ يعاتب أخاه في الحياء ، يقول إنك تستحي حتى كأنه قد أضرّ بك . قال : ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ ، فذكر بعد الرواة ما لم يذكره الآخر ، لكن المخرج متّحد ، فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ يقوم مقام الآخر انتهى . وتعقبه العيني بأنه بعيد من حيث اللغة ، فإن معنى الوعظ الزجر ومعنى العتب الوجد ، يقال : عتب عليه إذا وجد . على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر ، وغايته أنه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ وفي الأخرى بلفظ المعاتبة . وقال التيمي معناه الزجر يعني يزجره ويقول له : لا تستحي ، وذلك أنه كان كثير الحياء ، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فوعظه أخوه على ذلك . ( فقال ) له ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دعه ) أي اتركه على حيائه ، ( فإن الحياء من الإيمان ) لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان ، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، قاله ابن قتيبة . ومن تبعيضية كقوله في الحديث السابق الحياء شعبة من الإيمان ، لا يقال إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه ، لأن الحياء من مكملات الإيمان ، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة ، والظاهر أن الواعظ كان شاكًّا بل كان منكرًا ولذا وقع التأكيد بأن ، ّ ويجوز أن يكون من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم به ويؤكد عليه ، وأن لم يكن ثمة إنكار أو شك . ورجال هذا الحديث كلهم مدنيون إلا عبد الله . وأخرجه البخاري أيضًا في البرّ والصلة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . 17 - باب ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) هذا ( باب ) بالتنوين والإضافة كما في فرع اليونينية . قال الحافظ ابن حجر والتقدير باب في تفسير قوله وباب تفسير قوله ، وعورض بأن المصنف لم يضع الباب لتفسير الآية بل غرضه بيان أمر الإيمان وبيان أن الأعمال من الإيمان مستدلاً على ذلك بالآية والحديث ، فباب بمفرده لا يستحق إعرابًا لأنه كتعديد الأسماء من غير تركيب ، والإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب . ( فإن تابوا ) أي المشركون عن شركهم بالإيمان ، ( وأقاموا ) أي