ابن تيمية
58
منهاج السنة النبوية
يُشَاوِرَانِهِ كَمَا يُشَاوِرَانِ أَمْثَالَهُ ، فَكَانَ عُمَرُ يُشَاوِرُ فِي الْأُمُورِ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَطِلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي مُوسَى وَلِغَيْرِهِمْ ، حَتَّى كَانَ يَدْخُلُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُمْ ، مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ . وَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَدَحَهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [ سُورَةُ الشُّورَى : 38 ] . وَلِهَذَا كَانَ رَأْيُ عُمَرَ وَحُكْمُهُ وَسِيَاسَتُهُ مِنْ أَسَدِّ الْأُمُورِ ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَهُ مِثْلُهُ [ قَطُّ ] ( 1 ) ، وَلَا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَانْتَشَرَ وَعَزَّ كَظُهُورِهِ وَانْتِشَارِهِ وَعِزِّهِ فِي زَمَنِهِ . وَهُوَ الَّذِي كَسَّرَ كِسْرَى ، وَقَصَرَ قَيْصَرَ وَالرُّومَ وَالْفُرْسَ ، وَكَانَ أَمِيرُهُ الْكَبِيرُ عَلَى الْجَيْشِ الشَّامِيِّ أَبَا عُبَيْدَةَ ، وَعَلَى الْجَيْشِ الْعِرَاقِيِّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ - بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ - مِثْلُ خُلَفَائِهِ وَنُوَّابِهِ ، وَعُمَّالِهِ وَجُنْدِهِ ، وَأَهْلِ شِورَاهُ . وَقَوْلُهُ : " أَنَا أَعْلَمُ بِطُرُقِ السَّمَاءِ مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ " . كَلَامٌ بَاطِلٌ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ ، وَلَمْ يَصْعَدْ أَحَدٌ بِبَدَنِهِ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مِعْرَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ هُوَ بِبَدَنِهِ أَوْ بِرُوحِهِ ؟ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ بِبَدَنِهِ ، فَلَمْ يُنَازَعَ السَّلَفُ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَعْرُجْ بِبَدَنِهِ . وَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا مِنَ الْغُلَاةِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ فَهُوَ مِنَ الضُّلَّالِ ، مِنْ جِنْسِ مَنِ اعْتَقَدَ مِنَ الْغُلَاةِ فِي أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ النُّبُوَّةَ ، أَوْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ ، أَوِ الْإِلَهِيَّةِ .
--> ( 1 ) قَطُّ : زِيَادَةٌ فِي ( م ) .