ابن تيمية
57
منهاج السنة النبوية
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ : لَا رَيْبَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَقُولُ هَذَا بِالْمَدِينَةِ ، بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، الَّذِينَ تَعَلَّمُوا كَمَا تَعَلَّمَ ، وَعَرَفُوا كَمَا عَرَفَ . وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لَمَّا صَارَ إِلَى الْعِرَاقِ ، وَقَدْ دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، لَا يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنَ الدِّينِ ، وَهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ لِيُعَلِّمَهُمْ وَيُفْتِيَهُمْ ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ تَأَخَّرَتْ حَيَاتُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِمْ ، نَقَلُوا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثَ كَثِيرَةً لَمْ يَنْقُلْهَا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ، وَلَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ نَقْلِهَا ; لِأَنَّ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ قَدْ عَلِمُوهَا كَمَا عَلِمُوهَا . وَلِهَذَا يُرْوَى لِابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ ، وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَنَحْوِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنَ الْحَدِيثِ مَالَا يُرْوَى لِعَلِيٍّ وَلَا لِعُمَرَ ، وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ ; لِكَوْنِهِمْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُمْ ، وَأَدْرَكَهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ أُولَئِكَ السَّابِقِينَ ; فَاحْتَاجُوا أَنْ يَسْأَلُوهُمْ ، وَاحْتَاجَ أُولَئِكَ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ وَيُحَدِّثُوهُمْ . فَقَوْلُ عَلِيٍّ لِمَنْ عِنْدَهُ بِالْكُوفَةِ : " سَلُونِي " هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، لَمْ يَقُلْ هَذَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَسَلْمَانَ وَأَمْثَالِهِمْ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ . وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَسْأَلُهُ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ قَطُّ لَا مُعَاذٌ وَلَا أُبَيٌّ وَلَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَلَا مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَفْتِيهِ الْمُسْتَفْتِي ، كَمَا يَسْتَفْتِي أَمْثَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ