ابن تيمية

40

منهاج السنة النبوية

فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ - وَغَيْرِهَا - أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ ، لَا فِي الْخَارِجِ . فَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ . وَلَهُمْ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ لَا ( 1 ) بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ ، الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُعَيَّنًا ، فَيَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ ، وَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ ( 2 ) ، فَيَكُونُ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ الْمُبْدِعُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ : إِمَّا عَرَضًا قَائِمًا بِالْمَخْلُوقَاتِ ، وَإِمَّا جُزْءًا مِنْهَا ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُفْتَقِرًا إِلَى الْمُمْكِنِ عَرَضًا فِيهِ ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، بِمَنْزِلَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ فِي الْحَيَوَانَاتِ ، لَا تَكُونُ هِيَ الْخَالِقَةَ لِلْحَيَوَانِ ، وَلَا الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ الْمُبْدِعَةَ لِلْإِنْسَانِ ; فَإِنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ وَعَرَضَهُ لَا يَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ لَهُ ، بَلِ الْخَالِقُ مُبَايِنٌ لَهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ ; إِذْ جُزْؤُهُ وَعَرَضُهُ دَاخِلٌ فِيهِ ، وَالدَّاخِلُ فِي الشَّيْءِ لَا يَكُونُ هُوَ الْمُبْدِعَ لَهُ كُلِّهِ ( 3 ) . فَمَا وَصَفُوا بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَمْتَنِعُ مَعَهُ ( 4 ) أَنْ يَكُونَ خَالِقًا ( 5 ) لِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ( 6 ) .

--> ( 1 ) لَا : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب ) . ( 2 ) عِبَارَةُ " وَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ " سَاقِطَةٌ فِي ( م ) وَمَكَانُهَا بَيَاضٌ . ( 3 ) م : كُلِّيًّا . ( 4 ) م : مِنْهُ . ( 5 ) ن ، س جَاهِلًا ، ب : جَاعِلًا ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 6 ) م : مَوَاضِعَ أُخَرَ .