ابن تيمية
21
منهاج السنة النبوية
وَقَدْ يَجْعَلُونَ قُوَى النَّفْسِ الَّتِي تَقْتَضِي فِعْلَ الْخَيْرِ هِيَ الْمَلَائِكَةَ ، وَقُوَاهَا الَّتِي تَقْتَضِي الشَّرَّ هِيَ الشَّيَاطِينَ ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ ، وَالْكَلَامَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي نُفُوسِ الْأَنْبِيَاءِ ، لَيْسَ فِي الْخَارِجِ ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ ، وَمَا يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمَمْرُورِينَ ( 1 ) وَأَصْحَابِ الرِّيَاضَةِ ; حَيْثُ يَتَخَيَّلُ فِي نَفْسِهِ أَشْكَالًا نُورَانِيَّةً ، وَيَسْمَعُ فِي نَفْسِهِ أَصْوَاتًا ، فَتِلْكَ هِيَ عِنْدَهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ ، وَذَلِكَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ، لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ مُنْفَصِلٌ . وَلِهَذَا يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ، أَوْ أَعْظَمَ مِمَّا كَلَّمَ مُوسَى ; لِأَنَّ مُوسَى كُلِّمَ عِنْدَهُمْ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ فِي نَفْسِهِ ، وَهُمْ يُكَلَّمُونَ بِالْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةِ الْعَقْلِيَّةِ . وَصَاحِبُ " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَ " الْكُتُبِ الْمُضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا " ( 2 ) وَقَعَ فِي كَلَامِهِ قِطْعَةٌ مِنْ هَذَا النَّمَطِ ، وَقَدْ كَفَّرَهُمْ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى مُطَالَعَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا . وَمِنْ هُنَا سَلَكَ صَاحِبُ " خَلْعِ النَّعْلَيْنِ " ابْنُ قَسِيٍّ ( 3 ) وَأَمْثَالُهُ ، وَكَذَلِكَ
--> ( 1 ) ن ، س ، ب : الْمَمْرُوزِينَ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . وَفِي " لِسَانِ الْعَرَبِ " : " وَالْمَرَارَةُ : الَّتِي فِيهَا الْمِرَّةُ . وَالْمِرَّةُ : إِحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ . ابْنُ سِيدَهْ : وَالْمِرَّةُ مِزَاجٌ مِنْ أَمْزِجَةِ الْبَدَنِ . . . وَالْمَمْرُورُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْمِرَّةُ " وَيَقُولُ ابْنُ سِينَا فِي " الْإِشَارَاتِ وَالتَّنْبِيهَاتِ " 3 ، 4 / 871 - 872 : " وَقَدْ يُشَاهِدُ قَوْمٌ مِنَ الْمَرْضَى وَالْمَمْرُورِينَ صُوَرًا مَحْسُوسَةً ظَاهِرَةً حَاضِرَةً ، وَلَا نِسْبَةَ لَهَا إِلَى مَحْسُوسٍ خَارِجٍ ، فَيَكُونُ انْتِقَاشُهَا إِذَنْ مِنْ سَبَبٍ بَاطِنٍ أَوْ سَبَبٍ مُؤَثِّرٍ فِي سَبَبٍ بَاطِنٍ " . ( 2 ) وَهُوَ الْغَزَالِيُّ . ( 3 ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قَسِيٍّ ، رُومِيُّ الْأَصْلِ ، مِنْ بَادِيَةِ شِلْبَ ، اسْتَعْرَبَ وَتَأَدَّبَ وَقَالَ الشِّعْرَ ، ثُمَّ عَكَفَ عَلَى الْوَعْظِ وَكَثُرَ مُرِيدُوهُ ، فَادَّعَى أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَتَسَمَّى بِالْإِمَامِ . ثَارَ عَلَى دَوْلَةِ الْمُلَثَّمِينَ وَاشْتَرَكَ فِي الْأَحْدَاثِ السِّيَاسِيَّةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ 546 ه - . انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي : الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ ، ص . 199 - 203 ، الْأَعْلَامِ 1 / 113 - 114 . وَكِتَابِهِ " خَلْعِ النَّعْلَيْنِ " طُبِعَ بِبَيْرُوتَ .