ابن تيمية
20
منهاج السنة النبوية
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ، خَطَأٌ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَادَّةِ الْمَادَّةُ الْكُلِّيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ ، وَبِالصُّورَةِ ( 1 ) الصُّورَةُ الْكُلِّيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ ، وَهُوَ غَلَطٌ ; فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَجْسَامِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ ، وَالْكُلِّيَّاتُ لَا تُوجَدُ كُلِّيَّاتٍ ( 2 ) إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ ، وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مُمَيَّزٌ بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ ، لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، إِلَّا فِي الذِّهْنِ إِذَا أُخِذَ كُلِّيًّا . وَالْأَجْسَامُ يَعْرِضُ لَهَا الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ ، وَهُمَا مِنَ الْأَعْرَاضِ ، لَيْسَ الِانْفِصَالُ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ ، غَيْرَ الْجِسْمِ الْمَحْسُوسِ يَرِدُ عَلَيْهِ الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ ، وَيُسَمُّونَهُ الْهَيُولَى وَالْمَادَّةَ ، وَهَذَا وَغَيْرُهُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ( 3 ) . وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ لَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَةَ مَا يَقُولُونَ وَمَا يَقُولُ غَيْرُهُمْ ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، حَتَّى يَعْرِفُوا مَا فِيهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ ; فَيَعْلَمُونَ هَلْ هُمْ مُوَافِقُونَ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ ، أَوْ هُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ . وَمَنْ أَرَادَ التَّظَاهُرَ بِالْإِسْلَامِ مِنْهُمْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْعِبَارَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، فَيُعَبِّرُ عَنِ الْجِسْمِ بِعَالَمِ الْمَلَكِ ، وَعَنِ النَّفْسِ بِعَالَمِ الْمَلَكُوتِ ، وَعَنِ الْعَقْلِ بِعَالَمِ الْجَبَرُوتِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ . وَيَقُولُونَ إِنَّ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ هِيَ الْمَلَائِكَةُ ،
--> ( 1 ) ن ، م ، س : وَالصُّورَةِ . ( 2 ) ن ، م : كَلِمَاتٍ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 3 ) انْظُرْ مَثَلًا : كِتَابَ " الصَّفَدِيَّةِ " وَكِتَابَ " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " وَكِتَابَ " الرَّدِّ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ " .