ابن تيمية

19

منهاج السنة النبوية

الْمُجَرَّدَةَ ، وَهِيَ الدَّهْرُ الْعَقْلِيُّ الْمُجَرَّدُ عَنِ الْجِسْمِ وَأَعْرَاضِهِ ، وَأَثْبَتُوا الْفَضَاءَ ( 1 ) الْمُجَرَّدَ عَنِ الْجِسْمِ وَأَعْرَاضِهِ . وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ خَالَفُوا سَلَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يُثْبِتُوا مِنْ هَذِهِ شَيْئًا مُجَرَّدًا ، وَلَكِنْ أَثْبَتُوا الْمَادَّةَ الْمُقَارِنَةَ لِلصُّورَةِ ، وَأَثْبَتُوا الْكُلِّيَّاتِ الْمُقَارِنَةَ لِلْأَعْيَانِ ، وَأَثْبَتُوا الْعُقُولَ الْعَشَرَةَ . وَأَمَّا النَّفْسُ الْفَلَكِيَّةُ فَأَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُهَا قُوَّةً جُسْمَانِيَّةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هِيَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَنَفْسِ الْإِنْسَانِ . وَلَفْظُ " الصُّورَةِ " يُرِيدُونَ بِهِ تَارَةً مَا هُوَ عَرَضٌ ، كَالصُّورَةِ الصِّنَاعِيَّةِ ، مِثْلَ شَكْلِ السَّرِيرِ وَالْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ ، وَهَذِهِ عَرَضٌ قَائِمٌ بِمَحَلِّهِ ( 2 ) ، وَالْمَادَّةُ هَنَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ . وَيُرِيدُونَ بِالصُّورَةِ تَارَةً الصُّورَةَ الطَّبِيعِيَّةَ ، وَبِالْمَادَّةِ الْمَادَّةَ ( 3 ) الطَّبِيعِيَّةَ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَيَوَانَ وَالْمَعَادِنَ وَالنَّبَاتَ ( 4 ) لَهَا صُورَةٌ هِيَ خُلِقَتْ مِنْ مَوَادَّ ، لَكِنْ [ يَعْنُونَ ] ( 5 ) بِالصُّورَةِ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ ، وَبِالْمَادَّةِ جَوْهَرًا آخَرَ مُقَارِنًا لِهَذِهِ . وَآخَرُونَ فِي مُقَابَلَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ، الْقَائِلِينَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَا ثَمَّ مِنْ حَادِثٍ يُعْلَمُ حُدُوثُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ إِلَّا الْأَعْرَاضَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ حُدُوثَ جَوْهَرٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ .

--> ( 1 ) ن ، م ، س : الْقَضَاءَ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا إِثْبَاتُ الْخَلَاءِ أَوِ الْمَكَانِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْجِسْمِ . ( 2 ) م : بِنَفْسِهِ . ( 3 ) الْمَادَّةَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب ) . ( 4 ) ب : وَالنَّبَاتَاتِ . ( 5 ) يَعْنُونَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) ، ( س ) .