ابن تيمية

15

منهاج السنة النبوية

وَهَذَا تَصْدِيقٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : " « لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ : " فَمَنْ » " ( 1 ) . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : " « لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَارِسُ وَالرُّومُ ؟ قَالَ : " وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا هَؤُلَاءِ » ؟ " ( 2 ) . وَهَذَا بِعَيْنِهِ صَارَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّشَيُّعِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ أَخَذُوا مِنْ مَذَاهِبِ الْفُرْسِ ، وَقَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ : النُّورُ وَالظُّلْمَةُ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أُمُورًا ، وَأَخَذُوا مِنْ مَذَاهِبِ الرُّومِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ مَذْهَبِ الْيُونَانِ ، وَقَوْلِهِمْ بِالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أُمُورًا ، وَمَزَجُوا هَذَا بِهَذَا ، وَسَمُّوا ذَلِكَ بِاصْطِلَاحِهِمْ : السَّابِقَ وَالتَّالِيَ ، وَجَعَلُوهُ هُوَ الْقَلَمَ وَاللَّوْحَ ، وَأَنَّ الْقَلَمَ هُوَ الْعَقْلُ ، الَّذِي يَقُولُ هَؤُلَاءِ : إِنَّهُ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : « أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ ، قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ ، فَأَقْبَلَ . فَقَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ . فَقَالَ : وَعِزَّتِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ ، فَبِكَ آخُذُ ، وَبِكَ أُعْطِي ، وَبِكَ الثَّوَابُ ، وَبِكَ الْعِقَابُ » . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي فَضَائِلِ الْعَقْلِ ، كَدَاوُدَ بْنِ

--> ( 1 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2 / 628 وَأَوَّلُهُ هُنَاكَ : " لَتَتَّبِعُنَّ . . . ( 2 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6 / 365 .