ابن تيمية
84
منهاج السنة النبوية
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ الْمَدْعُوُّ بِهِ ( 1 ) لِلْأَرْبَعَةٍ مُتَضَمِّنًا لِلْعِصْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِمَامُ عِنْدَهُمْ ( 2 ) ، فَلَا يَكُونُ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ ( 3 ) بِهَذِهِ ( 4 ) الْعِصْمَةِ : لَا لِعَلِيٍّ ( 5 ) وَلَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ دَعَا بِالطَّهَارَةِ لِأَرْبَعَةٍ مُشْتَرِكِينَ لَمْ يَخْتَصَّ ( 6 ) بَعْضَهُمْ بِدَعْوَةٍ . وَأَيْضًا فَالدُّعَاءُ بِالْعِصْمَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُمْتَنِعٌ عَلَى أَصْلِ الْقَدَرِيَّةِ ، بَلْ وَبِالتَّطْهِيرِ أَيْضًا ; فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ - الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ ( 7 ) وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ - عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلرَّبِّ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ( 8 ) أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ مُطِيعًا وَلَا عَاصِيًا ، وَلَا مُتَطَهِّرًا مِنَ الذُّنُوبِ وَلَا غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ ، فَامْتَنَعَ عَلَى أَصْلِهِمْ أَنْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ بِأَنْ يَجْعَلَهُ فَاعِلًا لِلْوَاجِبَاتِ تَارِكًا لِلْمُحَرَّمَاتِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْدُورُ عِنْدَهُمْ قُدْرَةٌ تَصْلُحُ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، كَالسَّيْفِ الَّذِي يَصْلُحُ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، وَالْمَالِ الَّذِي يُمْكِنُ إِنْفَاقُهُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، ثُمَّ الْعَبْدُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ : إِمَّا الْخَيْرَ وَإِمَّا الشَّرَّ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ . وَهَذَا الْأَصْلُ يُبْطِلُ حُجَّتَهُمْ . وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي إِبْطَالِ هَذَا الْأَصْلِ ، حَيْثُ دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ ( 9 ) بِالتَّطْهِيرِ . فَإِنْ قَالُوا : الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ وَلَا يُؤَاخِذُهُمْ .
--> ( 1 ) م : الْمُطَهَّرُ الْمَدْعُوُّ لَهُ . ( 2 ) ن ، م ، س : وَعِنْدَهُمْ . ( 3 ) لَهُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( م ) . ( 4 ) ب : بِهَذَا . ( 5 ) م : إِلَّا لِعَلِيٍّ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 6 ) ن ، م : مُشْرِكِينَ لَمْ يَخُصَّ . ( 7 ) م : الْمُوجِبَاتِ . ( 8 ) ن ، م ، س : وَلَا يُمْكِنُ . ( 9 ) لَهُمْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب ) .