ابن تيمية
48
منهاج السنة النبوية
وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الْقِتَالَ لَمْ يُحَصِّلِ الطَّاعَةَ الْمَطْلُوبَةَ ، بَلْ زَادَ بِذَلِكَ عِصْيَانُ النَّاسِ لِعَلِيٍّ ، حَتَّى عَصَاهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجُ مِنْ عَسْكَرِهِ ، وَقَاتَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ جَيْشِهِ ، وَأَكْثَرُهُمْ ( 1 ) لَمْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ لَهُ مُطْلَقًا ، وَكَانُوا قَبْلَ الْقِتَالِ أَطْوَعَ لَهُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْقِتَالِ . فَإِنْ قِيلَ : عَلِيٌّ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ ، مُعْتَقِدًا أَنَّهُ بِالْقِتَالِ يُحَصِّلُ الطَّاعَةَ . قِيلَ : فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الِاجْتِهَادِ مَغْفُورًا ، مَعَ أَنَّهُ أَفْضَى إِلَى قَتْلِ أُلُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، بِحَيْثُ حَصَلَ الْفَسَادُ ، وَلَمْ يَحْصُلِ الْمَطْلُوبُ مِنَ الصَّلَاحِ ، أَفَلَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ ، لَوْ قُتِلَ لَحَصَلَ بِهِ نَوْعُ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الْفَوَاحِشِ ، اجْتِهَادًا مَغْفُورًا ؟ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ ، بَلْ هَمَّ بِهِ وَتَرَكَهُ . وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ فِي السِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ ( 2 ) فِي الْحُدُودِ الْجُزْئِيَّةِ ، وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ : لَكِنَّ ( 3 ) الْمُشْكِلَ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ : هَلْ يُعَاقَبُ لِدَفْعِ الْفَسَادِ ؟ هَذَا مَوْضِعٌ مُشْتَبَهٌ ؛ فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ بِعُقُوبَةِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي دَفْعِ الْفَسَادِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَالْعَقْلُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ النَّاسِ ، وَالْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ قَدْ قِيلَ : إِنَّهُ
--> ( 1 ) ر ، ي ، م : أَوْ أَكْثَرُهُمْ . ( 2 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ح ) . ( 3 ) لَكِنَّ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ح ) ، ( ر ) ، ( ي ) .