ابن تيمية

49

منهاج السنة النبوية

كَانَ لَمْ يَبْلُغِ [ الْحُلُمَ ] ( 1 ) وَقَتَلَهُ لِدَفْعِ صَوْلِهِ عَلَى أَبَوَيْهِ بِأَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " « رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ ، وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ » " ( 2 ) ، إِنَّمَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْمَأْثَمِ لَا رَفْعَ الضَّمَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَوْ أَتْلَفُوا نَفْسًا أَوْ مَالًا ضَمِنُوهُ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْعُقُوبَةِ إِذَا سَرَقَ أَحَدُهُمَا أَوْ زَنَى أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ ، فَهَذَا عِلْمٌ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ وَالصَّغِيرَ الَّذِي لَيْسَ بِمُمَيَّزٍ لَيْسَ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْحُقُوقِ فِي أَمْوَالِهِمْ كَالنَّفَقَاتِ وَالْأَثْمَانِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّكَاةِ ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ - كَأَبِي حَنِيفَةَ - : إِنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ كَالصَّلَاةِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ - كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - : بَلِ الزَّكَاةُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَالْعُشْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ . فَإِذَا كَانَ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ قَدْ تَشْتَبِهُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ : هَلْ تَجِبُ فِي مَالِهِ أَمْ لَا ؟ فَكَذَلِكَ بَعْضُ الْعُقُوبَاتِ قَدْ تُشْتَبَهُ : هَلْ يُعَاقَبُ بِهَا أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ مَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ بِالِاتِّفَاقِ ، [ وَمِنْهَا مَا لَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ بِالِاتِّفَاقِ ] ( 3 ) وَبَعْضُهَا يَشْتَبِهُ : هَلْ هُوَ مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا ؟

--> ( 1 ) الْحُلُمَ : زِيَادَةٌ فِي ( ر ) ، ( ي ) . ( 2 ) انْظُرْ كَلَامِي قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 45 ( 3 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) .