ابن تيمية

25

منهاج السنة النبوية

الْحَسَنِ ( 1 ) الْقَدَرُ ، لِكَوْنِهِ كَانَ شَدِيدَ الْإِنْكَارِ لِلْمَعَاصِي نَاهِيًا عَنْهَا ، وَلِذَلِكَ نَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْمُنْكَرَ ، وَيَقُولُ : هَؤُلَاءِ قُدِّرَ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوهُ ( 2 ) . فَيُقَالُ لِهَذَا ( 3 ) : وَإِنْكَارُ هَذَا الْمُنْكِرِ أَيْضًا بِقَدَرِ اللَّهِ ، فَنَقَضْتَ قَوْلَكَ بِقَوْلِكَ . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُ بَعْضُ مَشَايِخِهِمْ : أَنَا كَافِرٌ بِرَبٍّ يُعْصَى ، وَيَقُولُ : لَوْ قَتَلْتُ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَمْ أَكُنْ مُخْطِئًا ( 4 ) وَيَقُولُ بَعْضُ شُعَرَائِهِمْ : أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِمَا يَخْتَارُهُ مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَاتُ ( 5 ) . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ احْتِجَاجَ آدَمَ عَلَى مُوسَى بِالْقَدَرِ كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَهَذَا ( 6 ) جَهْلٌ عَظِيمٌ ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ أَمْرًا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَنَهْيًا عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَذَمًّا لِمَنْ ذَمَّهُ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا بُعِثُوا بِالْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ ( 7 ) ، وَالنَّهْيِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ( 8 ) أَنْ يَعْصِيَ عَاصٍ لِلَّهِ مُحْتَجًّا بِالْقَدَرِ ؟ وَلِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ تَابَ مِنَ الذَّنْبِ ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَكَانَ حُجَّةً لِإِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ ، وَلَكِنْ كَانَ مَلَامُ مُوسَى لِآدَمَ [ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ] ( 9 ) لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ ( 10 )

--> ( 1 ) وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . ( 2 ) مَا فَعَلُوهُ : زِيَادَةٌ فِي ( ب ) ، ( أ ) . ( 3 ) أ : فَيُقَالُ هَذَا الْمُنْكَرَ ، ب : فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُنْكَرِ . ( 4 ) ن ، م ، ع : مَا كُنْتُ مُخْطِئًا . ( 5 ) ع فَقَطْ : طَاعَاتِي . ( 6 ) ب : وَهُوَ . وَسَقَطَتْ مِنْ ( أ ) . ( 7 ) ن ، م ، ع : بِطَاعَةِ اللَّهِ . ( 8 ) ب ، أ : وَاحِدٌ مِنْهُمْ . ( 9 ) عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : زِيَادَةٌ فِي ( ع ) فَقَطْ . ( 10 ) ب ، أ : لِأَجْلِ الْمَعْصِيَةِ ، م : بِسَبَبِ الْمُصِيبَةِ .