ابن تيمية

23

منهاج السنة النبوية

وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : الْفَرْقُ بَيْنَ تَعْذِيبِ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ وَغَيْرِ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ الْعُقُولِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ ( 1 ) فِي جِسْمِهِ مَرَضٌ ( 2 ) أَوْ عَيْبُ خُلُقٍ فِيهِ لَمْ يَحْسُنْ ( 3 ) ذَمُّهُ وَلَا عِقَابُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ ظَلَمَ ابْنُهُ أَحَدًا لَحَسُنَ ( 4 ) عُقُوبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ . وَيَقُولُونَ : الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ عَلَى الذُّنُوبِ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ ، فَإِنَّ الظَّالِمَ لِغَيْرِهِ لَوِ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ لَاحْتَجَّ ظَالِمُهُ بِالْقَدَرِ أَيْضًا ( 5 ) ، فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِهَذَا فَهُوَ حُجَّةٌ لِهَذَا ، وَإِلَّا فَلَا . ( 6 ) وَالْأَوَّلُونَ أَيْضًا يَمْنَعُونَ الِاحْتِجَاجَ بِالْقَدَرِ ، فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَذَوِي الْعُقُولِ ، وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْقَبَائِحِ وَالْمَظَالِمِ مَنْ هُوَ مُتَنَاقِضُ الْقَوْلِ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ ، وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ ، أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاكَ تَمَذْهَبْتَ بِهِ . وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِفَاعِلِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَظَالِمِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَلُومَ ( 7 ) أَحَدٌ أَحَدًا ، وَلَا يُعَاقِبَ أَحَدٌ أَحَدًا ، فَكَانَ ( 8 ) لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ فِي دَمِ غَيْرِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ مَا يَشْتَهِيهِ ( 9 ) مِنَ الْمَظَالِمِ وَالْقَبَائِحِ ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ ( 10 ) .

--> ( 1 ) لَهُ ابْنٌ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) . وَفِي ( م ) ، ( ن ) : لَهُ أَثَرٌ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 2 ) ب ، أ : بَرَصٌ . ( 3 ) ب ، أ : يُسْتَحْسَنُ . ( 4 ) ب ، أ : يَحْسُنُ . ( 5 ) ب ، أ : أَيْضًا بِالْقَدَرِ . ( 6 ) عِبَارَةُ : " وَإِلَّا فَلَا " سَاقِطَةٌ مِنْ ( ع ) فَقَطْ . ( 7 ) ن : أَنْ يَلْزَمَ ; م : أَنْ يَلْزَمَهُ . ( 8 ) ن ، م ، ب : وَكَانَ . ( 9 ) م : مَا شَاءَ . ( 10 ) ع ، م : مُقَدَّرٌ عَلَيَّ ; ن : مَقْدُورٌ عَلَيَّ .