ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
108
معاني القرآن وإعرابه
خبرَ مَا ، ويجعلونه بمنزلة ليس وَ " مَا " مَعناها معنى ليس في النفي ، وهذه لغة أهل الحجاز ، وهي اللغَةُ القُدْمَى الجيدَةُ . وزعم بعضهم أن الرفْعَ في قولك : ( مَا هَذَا بَشَرًا ) أقْوى الوجهين ، وهذا غلط ، لأن كتاب اللَّه ولغة رسول اللَّه أقْوى الأشياء وأقوى اللغات . ولغة بني تميم : ما هذا بشر . ولا تجوز القراءة بها إلَّا بروايةٍ صَحيحةٍ . والدليل على ذلك إجماعهم على : ( مَا هُنَّ أمَّهَاتِهِمْ ) وما قرأ أحَد ما هُنَّ أُمَّهَاتُهمْ . * * * وقوله : ( قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) ( لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ) . القراءة الجيدة تخفيف لَيَكُونًا . والوقوف عليها بالألف ، لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف ، تقول : اضْرباً زيداً ، فإذا وقفت قلت : اضربَا ، كما أبدلت في : رأيتُ زيداً الألف من التنوين ، وقد قرئت : ولتكونَنَّ - بتشديد النُّونِ ، وأكرهها لخلاف المصحف ، لأنَّ الشديدة لا يُبْدَلُ منها شيء . ( مِنَ الصَّاغِرِينَ ) . مِنَ المذَلِّيِنَ . * * * ( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 33 ) والسَّجْن جميعاً - بكسر السين وفتحها - فمن فتح فعلى المصدر . المعنى أَنْ أُسْجَنَ أَحبُّ إليَّ ، ومن كسرَ فعَلَى اسم المكَانِ ، فيكون المعنى : نُزولُ السجنِ أَحبُّ إليَّ مِمًا يَدْعُونَنِي إليْهِ ، أي من ركوب المعصية . ( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ) . أي إلا تعْصِمْني أَصْبُ إليْهِنَّ ، أَي أَمِلْ إلَيْهن . يقال : صبا إلى اللَّهْوِ يصبو صُبُوًّا ، وصِبِيًّا ، وَصَبًّا ، إذا مالَ إلَيْه ( 1 ) .