ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )

238

معاني القرآن وإعرابه

روي عن ابن عَبَّاس وسَعِيدِ بن جبير أنهما قالا : الأمانة ههنا الفرائض التي افترضها اللَّه على عبادة ، وقال ابن عُمَر : عرضت على آدمَ الطاعةُ والمعصيةُ وعرف ثوابَ الطاعة . وعقابَ المعصية . وحقيقة هذه الآية - واللَّه أعلم ، وهو موافق للتفسير - أن اللَّه عزَّ وجلَّ ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته ، وائتمن السَّمَاوَاتِ والأرضَ والجبالَ على طاعته والخضوع له ، فأعلمنا الله أنه قال : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 11 ) . وأعلمنا أن من الحجارة ما يَهْبِطُ من خشية اللَّه وأن الشمس والقمرَ والنجومَ والملائكةَ وكثيراً من الناس يسجدون للَّهِ . فأعلمنا اللَّه أن السَّمَاوَات والأرض والجبال لم تحتمل الأمانة ، أي أَدَّتْها ، وكل من خان الأمانة فقد احتملها ، وكذلك كل من أَثِمَ فقد احتمل الإثم ، قال اللَّه عزَّ جل : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) . فأَعلم اللَّه أن من باء بالإثم يسمَّى حاملا للإثْمِ . فالسَّمَاوَات والأرض والجبال أَبَيْنَ أن يحملن الأمانة وأدَّينَها . وَأَدَاؤها طاعة اللَّه فيمَا أَمَر به ، والعَمَلُ به وترك المَعْصِيَةِ . وحَمَلَها الإنْسانُ ، قال الحَسَنُ : الكافر والمنافق حَمَلا الأمانة ولم يطيعا . فهذا المعنى والله أعلم . ومن أطاع من الأنبياء والصديقين والمؤمنين فلا قال كان ظلوماً جَهُولًا ، وتصديق ذلك ما يتلو هذه الآية من قوله : ( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 73 )