يحيى بن علي الشيباني التبريزي

16

شرح القصائد العشر

إليها مُقبلة ومُدبرة ، فوضع لها ثوبها فأخذته ولبسته ، فأقبلت النسوة عليه ، وقلن له : غدِّنا فقد حبستنا وجوَّعتنا ، فقال : أن نحرت لكن ناقتي تأكلن منها ؟ قلن : نعم ، فاخترط سيفه فعرقبها ، ثم كشطها ، وجمع الخدم حطبا كثيرا ، وأجج نارا عظيمة ، وجعل يقطع لهن من كبدها وسنامها وأطايبها فيرميه على الجمر ، وهن يأكلن ويشربن من فضلة كانت معه في ركوة له ، ويغنيهن وبنبذ إلى العبيد من الكباب ، حتى شبعن وشبعوا وطربن وطربوا ، فلما ارتحلوا قالت إحداهن : أنا أحمل حشيته وأنساعه ، وقالت الأخرى : أنا أحمل طنفسته ، فتقسمن متاع راحلته بينهن ، وبقيت عنيرة لم يحملها شيئا ، وقال : ليس لك بد من أن تحمليني معك ؛ فإني لا أطيق المشي ولم أتعوده ، فحملته على بعيرها ، فلما كان قريبا من الحي نزل ، فأقام حتى إذا جنه الليل أتى أهله ليلا . وقوله ( فيا عجبا لرحلها المتحمل ) أي العجب لهن ومنهن كيف أطقن حمل الرجل في هوادجهن ؟ وكيف رحلن إبلهن على تنعمهن ورفاهة عيشهن ؟ ( فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا . . . وَشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ ) يرتمين : يناول بعضهن بعضا ، والهداب والهدب واحد ، وهو طرف الثوب الذي لم يستتم نسجه ، والدمقس : الحرير الأبيض ، ويقال : هو القز ، وهو المدقس أيضا ، وقيل الدمقس والمدقس كل ثوب أبيض من كتان أو إبريسم أو قز ، وشبه شحم هذه الناقة وهؤلاء الجواري يترامينه - أي يتهادينه - يهداب الدمقس ، وهو غزل الإبريسم المفتول ، والمفتل بمعنى المفتول ، إلا أنك إذا قلت ( مفتول ) يقع للقليل والكثير ، وإذا قلت ( مفتل ) لم يكن إلا للكثير ، ويقال : ظلَّ يفعل كذا ،