محمد بن أحمد بن محمد العميدي

22

الإبانة عن سرقات المتنبي

لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب ، وأفصح عن الغرض وأعرب ، فقلت للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه وهو قوله : يجرى كما أختاره فكأنّه . . . بجميع ما أبغيه منه عالم رجلاه رجل واليدان يدٌ إذا . . . أحضرته والمتن منه سالم فصاح وقال : يا قوم أهذا شعر إنسان له مُسكة من عقل أو بُلغة من فضل ؟ والله إن للمتنبي غلماناً وأتباعاً أجلَّ من هذا البليد المجهول . من أي قبيلة هذا العاجزُ الذي تكلم بمثل هذا الفضول ؟ فقلت : عافاك الله حديثنا في الإبداع لا في الأتباع ، وفي الآداب لا في الأنساب . ليس تغنى المتنبي جلالةُ نسبه مع ضعف أدبه ، ولا يضرّه خلافُ دهره مع اشتهار ذكره ، ولقد تأملت أشعاره كلَّها فوجدتُ الأبيات التي يفتخر بها أصحابه ، وتُعتبر بها آدابُه من أشعار المتقدمين منسوخة ، ومعانيها من معانيهم المخترعة مسلوخة ، وإني لأعجب والله من جماعة يغلون في ذكر المتنبي وأمره ، ويدّعون الإعجاز في شعره ، ويزعمون أن الأبياتَ المعروفةَ له هو مبتدعها ومخترعها ومُحْدِثها ومفترعها ، لم يَسبق إلى معناها شاعر ، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر ، وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللُّمعَ التي يزعمون أنه أستنبطها وأثارها ، والمعتدّون بالفِقرَ التي يدّعون أنه افتضَّ أبكارها ، والمترنمون بأبيات سائرة يذكرون أنه أنفرد بألفاظها ومعانيها ، وأغرب في أمثلتها ومبانيها ، والمتمثلون بها في مجالسهم ونواديهم ، والمستعملون لها في خَلَواتهم وأغانيهم كيف لا يستحيون أن يقولوا بعصمته ، ويتهالكوا في الدلالة على حكمته ، وكيف يستجيزون لنفوسهم ، ويستحسنون في عقولهم أن يشهدوا شهادة قاطعة ، ويحكموا حكماً جزماً بأنها له غيرُ مأخوذة ولا مسروقة ، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ بتوطئتها غيرَ مسلوكة لغيره ولا مطروقة ؟ فليت شعري هل أحاطوا علماً بنصف دواوين الشعراء للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلاً عن جميعها ؟ أم هل فيهم من يميز بين مستعملها وبديعها