محمد بن أحمد بن محمد العميدي
23
الإبانة عن سرقات المتنبي
حتى يطلقوا القول غير محتشمين بأن المتنبي من بين أولئك الشعراء أبدع معانيَ لم يَفطِن لها سواه ، ولم يعثُر بها أحد غيره ممن يجري مجراه . ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه : إنه لما صنّف كتابه على حروف المعجم بأسامي الشعراء جمع دواوين قريب من ألف شاعر حتى أختار من عيونها ما أراد ، وامتار من متونها ما ارتاد . وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما بلغه أحرق خمسمائة ديوان للشعراء في أيامه حسداً لهم لئلا تشتهر أشعارهم ، ولا تنشر في الناس محاسنهم وأخبارهم ؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتَهم في مضماره ، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره ؟ وهل للذين يتدينون بنصرته بصائرُ بحسن المأخذ ، ولطف المتناول ، وجودة السرقة ، ووجوه النقل ، وإخفاء طرق السلب ، وتغميض مواضع القلب ، وتغيير الصيغة والترتيب ، وإبدال البعيد بالقريب ، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب ، حتى يدّعوا علم الغيب في تنزيهه عن السرقات التي لا تخفى صورتها على ناقد ، وتبرئته من المعايب التي شهد عليه بها ألف شاهد ؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي ، وجودةَ شعره ، وصفاءَ طبعه ، وحلاوةَ كلامه ، وعذوبة ألفاظه ، ورشاقةَ نظمه ، ولا أنكر اهتدائه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البديع لحظاً ، واستيفائه حدود الحذق إذا سلخ المعنى فكساه من عنده لفظًا ، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه ، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه ، ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه ، وغوصه على ما يَستصفى ماءَه ورونقه ، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والزلَل والدّخلَ ، والنظام الفاحش الفاسد ،