ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

9

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

أما قولك أيها المترخص أن التصريف والإدغام لا حاجة لمؤلف الكلام اليهما ، واستدلالك على هذا بما ذكرته من هذين المثالين اللذين ضربتهما ، فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه البتة أما التصريف وتمثيلك إياه بلفظة ( سرداح ) وقولك إن المؤلف لا يحتاج إلى معرفة أن الألف التي فيها زائدة هي أم أصل ؛ لأنه ينقلها عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقصان ، فإن ذلك لا يطرد إلا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها ، من غير تصرف فيها ، يحال من الأحوال ، فأما إذا أراد المؤلف تصغيرها ، أو جمعها ، أو النسبة إليها ، فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها ، يضل عن السبيل ويصير عليه مجال للطاعن والغائب ألا ترى إنه إذا قيل للنحوي ، وكان جاهلاً بعلم التصريف : كيف تصغر ( اضطراب ) ؟ فإنه يقول ( ضطيريب ) لا يلام على جهله بذلك لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتى به ، وذلك أن النحاة يقولون في كتبهم ( إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف ، وفيها حرف زائد ، ولم تكن حذفته ( حذفتة ) نحو قولهم في منطلق ( مطيلق ) وفي جحْمرش ( جحيمر ) فلفظه منطلق على خمسة أحرف ، وفيها حرفان زائدان ، هما الميم والنون ، إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى ، فلذلك لم تحذف ، وحذفت النون . وأما لفظة ( جحمرش ) فخماسية لا زيادة فيها ، وحذف منها حرف أيضاً ، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملاً ، اتكالاً منهم على تحقيقه من علم التصريف ، لأنه لا يلزمهم أن يقولوا ، في كتب النحو ، أكثر مما قالوا ، وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئاً من التصريف ، لأن كلاً من النحو والتصريف علم منفرد برأسه ، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر ، ويحتاج إليه . وإنما قلت : إن النحوي ، إذا سئل عن تصغير ( اضطراب ) يقول ( ضطيريب ) لأنه لا يخلو : إما أن يحذف من لفظة ( اضطراب ) الألف ، أو الضاد ، أو