ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

8

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

لا حاجة به إليهما ، لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها . وهذا لا يضر مؤلف الكلام جهلة ، ولا ينفعه معرفته . ولنضرب لذلك مثالاً كيف اتفق ، فتقول : إذا قال القائل : رأيت سرداحاً ، لا يلزمه أن يعرف أن الألف في هذه اللفظة زائدة هي أم أصل ، لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك ، ولو قالت ( سردح ) بغير ألف ، لما جاز لأحد أن يزيد الألف من عنده ، فيقول ( سرداح ) فعلم بهذا أن مؤلف الكلام إنما ينطق بالألفاظ كما سمعها عن العرب ، من غير زيادة فيها ، ولا نقصان ، وليس عليه بعد ذلك أن يعرف أصلها ، ولا زيادتها ، لأن ذلك أمر خارج عما تقتضيه صناعته . وكذلك الإدغام ، فإنه إذا قال القائل ( مررت برجل ضف الحال ) لا يلزمه أن يعلم أن الأصل في ( ضف ) ضفف وأن لا يجب عليه علمه ، ولا يضطر إلى معرفته البتة ، وذلك إنه إنما ينقل هذا وأمثاله عن العرب . فالذي يسمع أنهم قد تكلموا به يحذو حذوهم فيه ، غير أن يتصرف بشيء من عنده ، فإن ( كان ) مؤلف الكلام لم يسمع أن العرب قالوا ( رجل ضف الحال ) فقال هو ( ضفف الحال ) ولا سمع أنهم قالوا : ( ضفف الحال ) فقال هو ( ضفف الحال فإنما تكلم بما سمعه عن العرب من غير زيادة فيه ولا نقصان منه . الجواب عن ذلك إنا نقول : أعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف والإدغام ، ضرورة على مؤلف الكلام ، كمعرفة النحو . لأن المؤلف إذا كان عارفاً بالمعاني ، مختاراً لها ، قادراً على الألفاظ ، مجيداً فيها ، ولم يكن عارفاً بعلم النحو فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام ، ويختل عليه ما يقصده من المعاني ، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم . وأما التصريف والإدغام فإن المؤلف إذا لم يكن عارفاً بهما لم يفسد عليه معاني كلامه ، وإنما تفسد على الأوضاع ، كانت المعاني صحيحة مفهومة . وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب . فنقول :