ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
36
حجة الله البالغة
( بَاب صَلَاة المعذورين ) لما كَانَ من تَمام التشريع - أَن يبين لَهُم الرُّخص عِنْد الْأَعْذَار ، ليَأْتِي المكلفون من الطَّاعَة بِمَا يَسْتَطِيعُونَ ، وَيكون قدر ذَلِك مفوضا إِلَى الشَّارِع ، ليراعي فِيهِ التَّوَسُّط ، لَا إِلَيْهِم ، فيفرطوا ، أَو يفرطوا - اعتنى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بضبط الرُّخص والأعذار . وَمن أصُول الرُّخص أَن ينظر إِلَى أصل الطَّاعَة حَسْبَمَا تَأمر بِهِ حِكْمَة الْبر ، فيعض عَلَيْهَا فِي بالنواجد على كل حَال ، وَينظر إِلَى حُدُود وضوابط شرعها الشَّارِع ، ليتيسر لَهُم الْأَخْذ بِالْبرِّ ، فَيصْرف فِيهَا إِسْقَاطًا وإبدالا حَسْبَمَا تُؤدِّي إِلَيْهِ الضَّرُورَة . فَمن الْأَعْذَار السّفر ، وَفِيه من الْحَرج مَا لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان ، فشرع رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ رخصا . مِنْهَا الْقصر ، فأبقى أصل أعداد الرَّكْعَات - وَهِي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة ، وَأسْقط مَا زيد بِشَرْط الطُّمَأْنِينَة والحضر ، وَلما كَانَ هَذَا الْعدَد فِيهِ شَائِبَة الْعَزِيمَة لم يكن من حَقه أَن يقدر بِقدر الضَّرُورَة ، ويضيق فِي ترخيصه كل التَّضْيِيق ، فَلذَلِك بَين رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن شَرط الْخَوْف فِي الْآيَة لبَيَان الْفَائِدَة ، وَلَا مَفْهُوم لَهُ ، فَقَالَ : " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صَدَقَة " وَالصَّدَقَة لَا يضيق فِيهَا أهل المروءات ، وَلذَلِك أَيْضا واظب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الْقصر ، وَإِن جوز الاتمام ، فِي الْجُمْلَة فَهُوَ سنة مُؤَكدَة ، وَلَا اخْتِلَاف بيم مَا روى من جَوَاز الْإِتْمَام ، وَأَن الرَّكْعَتَيْنِ فِي السّفر تَمام غير قصر لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون الْوَاجِب الْأَصْلِيّ هُوَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ ذَلِك يكون الاتمام مجزئا بِالْأولَى - كَالْمَرِيضِ . وَالْعَبْد - يصليان الْجُمُعَة فَيسْقط عَنْهُم الظّهْر ، أَو كَالَّذي وَجب عَلَيْهِ بنت مَخَاض فَتصدق بِالْكُلِّ ، وَلذَلِك كَانَ من حَقه أَنه إِذا صَحَّ على الْمُكَلف إِطْلَاق اسْم الْمُسَافِر جَازَ لَهُ الْقصر إِلَى أَن يَزُول عَنهُ هَذَا الِاسْم بِالْكُلِّيَّةِ ، لَا ينظر فِي ذَلِك إِلَى وجود الْحَرج ، وَلَا إِلَى عدم الْقُدْرَة على الاتمام لِأَنَّهُ وَظِيفَة من هَذَا شَأْنه ابْتِدَاء وَهُوَ قَول ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ : سنّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة السّفر رَكْعَتَيْنِ ، وهما تَمام غير قصر . وَاعْلَم أَن السّفر وَالْإِقَامَة وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة ، وَسَائِر مَا أدَار الشَّارِع عَلَيْهِ الحكم أُمُور يستعملها أهل الْعرف فِي مظانها ، ويعرفون مَعَانِيهَا ، وَلَا ينَال حَده الْجَامِع الْمَانِع إِلَّا بِضَرْب من الِاجْتِهَاد والتأمل ، وَمن المهم معرفَة طَرِيق الِاجْتِهَاد ، فَنحْن نعلم نموذجا مِنْهَا فِي