ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
35
حجة الله البالغة
حسب اعْتِقَاده ، فَإِذا قصر انقلبت علومه عَلَيْهِ ضارة مظْلمَة ، فَلم تقبل طاعاته لهنة فِي نَفسه ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن الدّين يسر وَلنْ يشاد الدّين أحد إِلَّا غَلبه " فلهذه الْمعَانِي عزم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمته أَن يقتصدوا فِي الْعَمَل ، أَلا يجاوزوا إِلَى حد يُفْضِي إِلَى ملال واشتباه فِي الدّين أَو إهمال الارتفاقات ، وَبَين تِلْكَ الْمعَانِي تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أدومها وَإِن قل " أَقُول : وَذَلِكَ لِأَن إدامتها والمواظبة عَلَيْهَا آيَة كَونه رَاغِبًا فِيهَا ، وَأَيْضًا فَالنَّفْس لَا تقبل أثر الطَّاعَة ، وَلَا تتشرب فائدتها إِلَّا بعد مُدَّة ومواظبة واطمئنان بهَا ووجدان أَوْقَات تصادف من النَّفس فراغا بِمَنْزِلَة الْفَرَاغ الَّذِي يكون سَببا لانطباع الْعُلُوم من الْمَلأ الْأَعْلَى فِي رُؤْيَاهُ ، وَذَلِكَ غير مَعْلُوم الْقدر ، فَلَا سَبِيل إِلَى تَحْصِيل ذَلِك إِلَّا الإدامة والإكثار ، وَهُوَ قَول لُقْمَان عَلَيْهِ السَّلَام : وعود نَفسك كَثْرَة الاسْتِغْفَار ، فَإِن الله سَاعَة لَا يرد فِيهَا سَائِلًا . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا من الْأَعْمَال مَا تطيقون ، فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا " أَي لَا يتْرك الإثابة إِلَّا عِنْد ملالهم ، فَأطلق الملال مشاكلة . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن أحدكُم إِذا صلى وَهُوَ ناعس لَا يدْرِي لَعَلَّه يسْتَغْفر ، فيسب نَفسه " . أَقُول : يُرِيد أَنه لَا يُمَيّز بَين الطَّاعَة وَغَيرهَا من شدَّة الملال ، فَكيف يتَنَبَّه بِحَقِيقَة الطَّاعَة . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فسددوا " يَعْنِي خُذُوا طَريقَة السداد ، وَهِي التَّوَسُّط الَّذِي يُمكن مراعاته والمواظبة عَلَيْهِ " وقاربوا " يَعْنِي لَا تظنوا أَنكُمْ بعداء لَا تصلونَ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الشاقة " وَأَبْشِرُوا " يَعْنِي حصلوا الرَّجَاء والنشاط " وَاسْتَعِينُوا بالغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة " هَذِه الْأَوْقَات أَوْقَات نزُول الرَّحْمَة وصفاء لوح الْقلب من أَحَادِيث النَّفس ، وَقد ذكرنَا من ذَلِك فصلا . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من نَام عَن حزبه ، أَو عَن شَيْء مِنْهُ فقرأه فِيمَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب لَهُ كإنما قَرَأَهُ من اللَّيْل " . أَقُول : السَّبَب الْأَصْلِيّ فِي الْقَضَاء شَيْئَانِ : أَحدهمَا أَلا تسترسل النَّفس بترك الطَّاعَة ، فيعتاده ، ويحسر عَلَيْهِ التزامها من بعد ، وَالثَّانِي أَن يخرج عَن الْعهْدَة ، وَلَا يضمر أَنه فرط فِي جنب الله ، فيؤاخذ عَلَيْهِ من حَيْثُ يعلم أَو لَا يعلم .