ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

34

حجة الله البالغة

( الاقتصاد فِي الْعَمَل ) اعْلَم أَن أدوأ الدَّاء فِي الطَّاعَات ملال النَّفس ، فَإِنَّهَا إِذا ملت لم تنتبه لصفة الْخُشُوع ، وَكَانَت تِلْكَ المشاق خَالِيَة عَن معنى الْعِبَادَة ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن لكل شَيْء شرة وَإِن لكل شرة فَتْرَة " وَلِهَذَا السِّرّ كَانَ أجر الْحَسَنَة عِنْد اندراس الرَّسْم بعملها وَظُهُور التهاون فِيهَا مضاعفا أضعافا كَثِيرَة ، لِأَنَّهَا وَالْحَالة هَذِه لَا تنبجس إِلَّا من تنبه شَدِيد وعزم مُؤَكد ، وَلِهَذَا جعل الشَّارِع للطاعات قدرا كمقدار الدَّوَاء فِي حق الْمَرِيض لَا يُزَاد ، وَلَا ينقص . وَأَيْضًا فالمقصود هُوَ تَحْصِيل صفة الْإِحْسَان على وَجه لَا يُفْضِي إِلَى إهمال الارتفاقات اللَّازِمَة ، وَلَا إِلَى غمط حق من الْحُقُوق ، وَهُوَ قَول سلمَان رَضِي الله عَنهُ : إِن لعينيك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا ، فَصدقهُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنا أَصوم وَأفْطر ، وأقوم وأرقد ، وأتزوج النِّسَاء ، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني " . وَأَيْضًا فالمقصود من الطَّاعَات هُوَ استقامة النَّفس وَدفع اعوجاجها ، لَا الإحصاء ، فَإِنَّهُ كالمتعذر فِي حق الْجُمْهُور ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اسْتَقِيمُوا ، وَلنْ تُحْصُوا ، وَأتوا من الْأَعْمَال مَا تطيقون " والاستقامة تحصل بِمِقْدَار معِين يُنَبه النَّفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس البهيمية ، ويفطنها بكيفية انقياد البهيمية للملكية ، فَلَو أَنه أَكثر مِنْهَا اعتادتها النَّفس ، واستحلتها فَلم تتنبه لثمرتها وَأَيْضًا فَمن الْمَقَاصِد الجليلة فِي التشريع أَن يسد بَاب التعمق فِي الدّين لِئَلَّا يعضوا عَلَيْهَا بنواجذهم ، فَيَأْتِي من بعدهمْ قوم ، فيظنوا أَنَّهَا من الطَّاعَات السماوية الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِم ، ثمَّ تَأتي طبقَة أُخْرَى ، فَيصير الظَّن عِنْدهم يَقِينا ، والمحتمل مطمأنا بِهِ ، فيظل الدّين محرفا ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { رَهْبَانِيَّة ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم } وَأَيْضًا فَمن ظن من نَفسه - وَإِن أقرّ بِخِلَاف ذَلِك من لِسَانه - أَن الله لَا يرضى إِلَّا بِتِلْكَ الطَّاعَات الشاقة ، وَأَنه لَو قصر فِي حَقّهَا فقد وَقع بَينه وَبَين تَهْذِيب نَفسه حجاب عَظِيم ، وَأَنه فرط فِي جنب الله ، فَإِنَّهُ يُؤَاخذ بِمَا ظن ، وَيُطَالب فِي بِالْخرُوجِ عَن التَّفْرِيط فِي جنب الله