ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
66
حجة الله البالغة
فَهَذِهِ أصُول أعطانيها رَبِّي من أتقنها استجلى أَحْوَال أهل الله ، ومبلغ كمالهم ، ومطمح إشارتهم عَن أنفسهم ، وَخرج مَرَاتِب سلوكهم : { ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون } . ( بَاب فِي أَسبَاب الخواطر الباعثة على الْأَعْمَال ) اعْلَم أَن الخواطر الَّتِي يجدهَا الْإِنْسَان فِي نَفسه ، وتبعثه على الْعَمَل بموجبها لَا جرم أَن لَهَا أسبابا كَسنة الله تَعَالَى فِي سَائِر الْحَوَادِث . وَالنَّظَر والتجربة يظهران أَن مِنْهَا - وَهُوَ أعظمها - جبلة الْإِنْسَان الَّتِي خلق عَلَيْهَا ، كَمَا نبه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ من قبل . وَمِنْهَا مزاجه الطبيعي الْمُتَغَيّر بِسَبَب التَّدْبِير الْمُحِيط بِهِ من الْأكل وَالشرب وَنَحْو ذَلِك ، كالجائع يطْلب الطَّعَام ، والظمآن يطْلب المَاء ، والمغتلم يطْلب النِّسَاء ، وَرب إِنْسَان يَأْكُل غذَاء يُقَوي الْبَاءَة ، فيميل إِلَى النِّسَاء ، وَيحدث نَفسه بِأَحَادِيث تتَعَلَّق بِهن ، وَتصير هَذِه مهيجة لَهُ على كثير من الْأَفْعَال ، وَرب إِنْسَان يتغذى غذَاء شَدِيدا ، فيقسو قلبه ، ويجترئ على الْقَتْل : ويغضب فِي كثير مِمَّا لَا يغْضب فِيهِ غَيره ، ثمَّ إِذا ارتاض هَذَانِ أَنفسهمَا بالصيام وَالْقِيَام ، أَو شَابًّا وكبرا ، أَو مَرضا مَرضا مدنفا تغير أَكثر مَا كَانَ عَلَيْهِ ، ورقت قلوبهما ، وعفت نفوسهما ، وَلذَلِك ترى الِاخْتِلَاف بَين الشُّيُوخ والشباب ، وَرخّص النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للشَّيْخ فِي الْقبْلَة وَهُوَ صَائِم وَلم يرخص للشاب . وَمِنْهَا الْعَادَات والمألوفات فَإِن من أَكثر مُلَابسَة شَيْء ، وَتمكن من لوح نَفسه مَا يُنَاسِبه من الهيئات والأشكال - مَال إِلَيْهِ كثير من خواطره . وَمِنْهَا أَن النَّفس الناطقة فِي بعض الْأَوْقَات تَنْفَلِت من أسر البهيمية ، فتختطف من حيّز الْمَلأ الْأَعْلَى مَا ييسر لَهَا من هَيْئَة نورانية ، فَتكون تَارَة من بَاب الْأنس والطمأنينة ، وَتارَة من بَاب الْعَزْم على فعل .