ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
67
حجة الله البالغة
وَمِنْهَا أَن بعض النُّفُوس الخسيسة تتأثر من الشَّيَاطِين وتنصبغ بِبَعْض صبغهم ، وَرُبمَا اقْتَضَت تِلْكَ الْهَيْئَة خواطر وأفعالا . وَاعْلَم أَن المنامات أمرهَا كأمر الخواطر غير أَنَّهَا تتجرد لَهَا النَّفس ، فتتشبح لَهَا صورها ، وهيئاتها . قَالَ مُحَمَّد بن سِرين : الرُّؤْيَا ثَلَاث : حَدِيث النَّفس ، وتخويف الشَّيْطَان ، وبشرى من الله . ( بَاب لصوق الْأَعْمَال بِالنَّفسِ وأحصائها عَلَيْهَا ) قَالَ الله تَعَالَى : { وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا } . وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيا عَن ربه تبَارك وَتَعَالَى : " إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها عَلَيْكُم ، ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا ، فَمن وجد خيرا فليحمد الله ، وَمن وجد غير ذَلِك ، فَلَا يَلُومن الا نَفسه " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " النَّفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذَلِك ، ويكذبه " . اعْلَم أَن الْأَعْمَال الَّتِي يقصدها الْإِنْسَان قصدا مؤكدا ، والأخلاق الَّتِي هِيَ راسخة فِيهِ ، تنبعث من أصل النَّفس الناطقة ، ثمَّ تعود إِلَيْهَا ، ثمَّ تتشبث بذيلها ، وتحصي عَلَيْهَا إِمَّا الانبعاث مِنْهَا ، فَلَمَّا عرفت أَن للملكية والبهيمية واجتماعهما أقساما وَلكُل قسم حكما ، وَغَلَبَة المزاج الطبيعي والانصباغ من الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب لَا تكون إِلَّا حسب مَا تعطيه الجبلة ، وَتحصل فِيهِ الْمُنَاسبَة ، فَلذَلِك كَانَ الْمرجع إِلَى أصل النَّفس بوسط أَو بِغَيْر وسط . أَلَسْت ترى المخنث يخلق فِي أول مرّة على مزاج رَكِيك ، فيستدل بِهِ الْعَارِف على أَنه أَن شب على مزاجه وَجب أَن يعْتَاد بعادات النِّسَاء ، ويتزيا بزيهن ، وينتحل رسومهن ، وَكَذَلِكَ يدْرك الطَّبِيب أَن الطِّفْل إِن شب على مزاجه ، وَلم يفجأه عَارض كَانَ قَوِيا فارها ، أَو ضَعِيفا ضارعا ، وَأما الْعود إِلَيْهَا فلَان الْإِنْسَان إِذا عمل عملا ، فَأكْثر مِنْهُ اعتادته النَّفس ، وَسَهل صدوره مِنْهَا ، وَلم يحْتَج إِلَى روية وتجشم دَاعِيَة ، فَلَا جرم أَن النَّفس تأثرت مِنْهُ ، وَقبلت لَونه ، وَلَا جرم أَن لكل عمل من تِلْكَ الْأَعْمَال المتجانسة