ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

61

حجة الله البالغة

أَحدهَا مُقْتَضى الصُّورَة النوعية ، فَكَمَا أَن الْبَهِيمَة إِذا علفت الْحَشِيش ، والسبع إِذا علف اللَّحْم - صَحَّ مزاجهما ، وَإِذا علفت الْبَهِيمَة اللَّحْم ، والسبع الْحَشِيش - فسد مزاجهما ، فَكَذَلِك الْإِنْسَان إِذا بَاشر أعمالا أرواحها الْخُشُوع بِجَانِب الْحق ، وَالطَّهَارَة والسماحة وَالْعَدَالَة صلح مزاجه الملكي ، وَإِذا بَاشر أعمالا أرواحها أضداد هَذِه الْخِصَال فسد مزاجه الملكي ، فَإِذا تخفف عَن ثقل الْبدن أحس بالملاءمة والمنافرة شبه مَا يحس أَحَدنَا من ألم الاحتراق وَثَانِيها جِهَة الْمَلأ الْأَعْلَى ، فَكَمَا أَن الْوَاحِد مِنْهَا لَهُ قوى إدراكية مودعة فِي الدِّمَاغ ، يحس بهَا مَا وَقعت عَلَيْهِ قدمه من جَمْرَة أَو ثلجة ، فَكَذَلِك بِصُورَة الْإِنْسَان المتمثلة من الملكوت خدام من الْمَلَائِكَة أوجدها عناية الْحق بِنَوْع الْإِنْسَان ، لِأَن نوع الْإِنْسَان لَا يصلح إِلَّا بهم ، كَمَا أَن الْوَاحِد منا لَا يصلح إِلَّا بِالْقُوَّةِ الإدراكية ، فَكلما فعل فَرد من أَفْرَاد الْإِنْسَان فعلا منجيا خرجت من تِلْكَ الْمَلَائِكَة أشعة بهجة وسرور ، وَكلما فعل فعلا مهْلكا خرجت مِنْهَا أشعة نفرة وبغض ، فَحلت تِلْكَ الأشعة فِي نفس هَذَا الْفَرد ، فأورثت بهجة ، أَو وَحْشَة ، أَو فِي نفوس بعض الْمَلَائِكَة ، أَو بعض النَّاس ، فانعقد الإلهام أَن يحبوه ، ويحسنوا إِلَيْهِ ، أَو يبغضوه ، ويسيئوا إِلَيْهِ شبه مَا نرى من أَن أَحَدنَا وَإِذا وَقعت رجله على جَمْرَة أحست قواه الإدراكية بألم الاحتراق ثمَّ خرجت مِنْهَا أشعة تُؤثر فِي الْقلب ، فيحزن ، وَفِي الطَّبْع فيحم وتأثير أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة فِينَا شَبيه بتأثير الإدراكات فِي أبداننا ، فَكَمَا أَن الْوَاحِد منا قد يتَوَقَّع ألما أَو ذلا فترتعد فرائصه ، ويصفر لَونه ، ويضعف جسده وَرُبمَا تسْقط شَهْوَته ، ويحمر بَوْله ، وَرُبمَا بَال أَو خرئ من شدَّة الْخَوْف ، فَهَذَا كُله تَأْثِير الْقُوَّة الإدراكية فِي الطبيعة ووحيها إِلَيْهَا وقهرها عَلَيْهَا ، فَكَذَلِك الْمَلَائِكَة الموكلة ببني آدم يترشح مِنْهَا عَلَيْهِم وعَلى نفوس الْمَلَائِكَة السفلية إلهامات جبلية ، وحالات طبيعية ، وأفراد الْإِنْسَان كلهَا بِمَنْزِلَة القوى الطبيعية لهَذِهِ الْمَلَائِكَة بِمَنْزِلَة القوى الإدراكية لَهُم ، وكما تهبط تِلْكَ الأشعة إِلَى السّفل فَكَذَلِك يصعد إِلَى حَظِيرَة الْقُدس مِنْهَا لون يعد لفيضان هَيْئَة تسمى ، بِالرَّحْمَةِ والرضى وَالْغَضَب واللعن مثل إعداد مجاورة النَّار المَاء لتسخينه ، وإعداد الْمُقدمَات للنتيجة ، وإعداد الدُّعَاء للإجابة ، فَيتَحَقَّق التجدد فِي الجبروت من هَذَا الْوَجْه ، فَيكون غضب ، ثمَّ تَوْبَة ، وَيكون رَحْمَة ، ثمَّ نقمة قَالَ الله تَعَالَى : { إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم } . وَقد أخبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة أَن الْمَلَائِكَة ترفع أَعمال بني آدم إِلَى الله