ابن هشام الحميري

447

كتاب التيجان في ملوك حمير

وقالوا لن تخاف وأنت فينا . . . كفاك برغمنا فينا كفيلا فلا تخش التجبر يا آل قومي . . . كفى لكم بذلكم دليلا فلما سمعوا قوله هذا وعلموا مكان صالح حيث هو كفوا عن المسلمين وانطلقوا بأجمعهم حتى أتوا أبا هدب وقومه فكلموه في صالح . فقال لهم أبو هدب : هو عندي وقد أجرته وآويته فلا سبيل لكم إليه . فقالوا : أتتبع دينه وتترك ديننا ؟ قال : لا ، ولكن قد أجرته ولن تخفروني في جواري ، فتركوه وانصرفوا عنه ، وشغلهم ما نزل بهم من العذاب وجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم من التغير ، ثم أصبحوا ووجوههم يوم الخميس مصفرة ، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة ، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة . فلما كان ليلة الأحد ، خرج صالح من بين أظهرهم ومن معه من المسلمين إلى الشام فنزل إلى رملة فلسطين ، وتخلف رجل من أصحاب صالح ، صلوات الله عليه يقال له مبدع بن هرم ، فنزل قرحاً - وهو وادي القرى - وبينه وبين الحجر ثمانية عشر ميلا ، فنزل على رجل يقال له عمرو بن غنم - وكان سيدهم وكان قد أكل من لحم الناقة ولم يشرك في عقرها - فقال له مبدع : يا عمرو اخرج من هذا البلد ، فإن صالحاً قد قال : من خرج من هذه البلد نجا ومن أقام بها هلك . فقال عمرو : والله ما شاركت في عقرها ولا رضيت بما صنع بها . وأمسك عنه مبدع ، فلما أصبح الأحد ورأوا ما نزل بهم من العذاب اجتمعوا كل قوم في مجلسهم فحفروا لأنفسهم قبوراً في بيوتهم ونحتوا ولبسوا أكفانهم - وكانت أكفانهم الأنطاع وحنوطهم المر - وجلسوا في حفرهم . فلما ارتفع الضحى أخذتهم الصيحة . فلم يبق منهم