ابن هشام الحميري

317

كتاب التيجان في ملوك حمير

وبعث ابنه الحارث في جهة أخرى بخيل يرتادون له منزلاً ، ثم نحر الملك عمرو وأمر بالطعام ونادى إلى عك فأجابوه إلى طعامه فأحسن إليهم وجملهم وأعطاهم - وإن عمراً بن عامر اعتل فمات قبل أن يرجع إليه ابناه - وستخلف ابنه ثعلبة العنقاء في قومه وأقام ثعلبة ينتظر أخويه المرتادين . قال : ونزل عند بني حارثة بن عمرو بن عامر وهم رهط جذع بن سنان رجال من الجن وفيهم قاشر الجني ، فلما جلسوا حلبوا لهم اللبن وشربوا ، فقال لهم قاشر الجني : يا معشر غسان ما بال لبنكم ليس كلبن بني عمكم عك ، لبنكم مالح مصرح رقيق ولبن بني عمكم غليظ دسم ؟ قالوا له : لا ندري لم ذلك ! قال لهم قاشر الجني : نحن أعلم بذلك منكم ، إنما أتيتم في أموالكم ومواشيكم من قبل الأرض وذلك أن بني عمكم أنزلوكم غربي الوادي وأسفل النهر ومستقر السيول فمواشيهم تشرب صفو الماء ثم تسرح في غربي الوادي فتستقبل الريح بوجوهها وتستدبر الشمس بظهورها فتسخن متونها وتنزل ضروعها وإذا طلعت الشمس طلعت مكانها فأصابت الكلأ قد أطعم نواره وذاب جليده وشرب نداه أصله فاستد نياته وزكى طعمه . قال : ونزلتم يا معشر غسان في غربي الوادي وأسفله فأنعامكم تشرب كدر الماء وتسرح شرقي الوادي وتستقبل الشمس بأبصارها فتكل عن البذر وتضعف أبدانها وتستدير الريح بظهورها فتبرد متونها وتنكمش ضروعها ، وإذا طلعت الشمس فلا تبلغكم إلا بعد ارتفاعها ، فكلاكم ظليل أبداً لا يبرز زهره ولا يشرب نداه أصله - فمن ثم لبنكم رقيق مالح فكلموا بني عمكم يعاقبوكم من أرضهم قبل أن تهلك أنعامكم - قال : فعند ذلك بعثت غسان إلى عك اعقبونا من المنزل ولا تستأثروا علينا هذه الأثرة كلها ، فقالت علك : يا قومنا الأرض أرضنا ، وإنما أنتم ضر علينا ولولا السيد الكريم والملك الرحيم