عبد الرحمن السهيلي
35
نتائج الفكر في النحو
والوجه الثاني : أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتنزيه والتقديس ، وغير ذلك من المعاني المقصود بها الله عز وجل ، فيقول : كبرت اسم ربي ، واسم ربي أكبر ، وغير ذلك مما أجمع المسلمون على تركه ، ولم يؤثر عن أحد من السلف والخلف ، رحمة الله عليهم . والقول السديد في ذلك - والله المستعان - أن نقول : الذكر على الحقيقة محله القلب لأنه ضد النسيان ، والتسبيح نوع من الذكر ، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك ، دون اللفظ باللسان ، والله - عز وجل - إنما تعبدنا بالأمرين جميعاً ، ولم يتقبل من الإيمان إلا ما كان قولاً باللسان ، واعتقاداً بالجنان ، فصار معنى الآيتين في هذا : اذكر ربك أو سبح ربك ، بقلبك ولسانك ، وكذلك أقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلوا الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان ، لأن الذكر بالقلب متعلقه بالمسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه ، والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع ما يدل عليه ، لأن اللفظ لا يراد لنفسه . فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو التسبيح دون ما يدل عليه من المعنى ، هذا ما لا يذهب إليه خاطر ، ولا يتوهمه ضمير فقد وضحت تلك الحكمة التي من أجلها أقحم ذكر الاسم ، وأنه به كملت الفائدة وظهر الإعجاز في النظم والبلاغة في الخطاب . وهذه نكتة لمتدبرها خير من الدنيا بحذافيرها ، والحمد لله على ما فهم وعلم . ومما غلطوا من أجله قوله عز وجل : ( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا ) . والمعبود هو المسمى . والجواب : أنهم ما عبدوا إلا المسميات ، ولكنهم عبدوها من أجل الأسماء المفخمة الهائلة التي اخترعوها لهم ، كاللات والعزى ، وتلك أسماء كاذبة غير واقعة على حقيقة ، فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها . وهذا من المجاز البديع الغريب وكذلك قامت الحجة عليهم ، ولو كانت الأسماء ها هنا هي المسميات لقلت فائدة الكلام ، ولخلا عن الإعجاز والبلاغة هذا النظام .