زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

74

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

هَذَا كُلُّهُ فِيْمَنْ أخذَ مَنْ غَيْرِ تَصْنِيْفٍ ، أمَّا مَنْ أخَذَ مِنْهُ ، فَهوَ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ : ( والشَّيْخُ ) ابنُ الصَّلاَحِ ( في التَّصْنِيْفِ قَطْعاً قَدْ حَظَرْ ) ، وفي نُسْخَةٍ : ( ( مُطْلَقاً حَظَرَ ) ) - ، أي : مَنَعَ تَغْيِيْرَ اللَّفْظِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ بِلَفْظٍ آخَرَ بِمَعْنَاهُ . لأنَّ مَا رَخَّصُوا بِسَبَبِهِ مِنَ المَشَقَّةِ في ضَبْطِ الألْفَاظِ ، والجُمُودِ عَلَيْهَا مُنْتَفٍ في المُصَنَّفَاتِ ؛ ولأنَّهُ إنْ مَلَكَ تَغْيِيْرَ اللَّفْظِ ، فلاَ يَمْلِكُ تَغْيِيْرَ تَصْنِيْفِ غَيْرِهِ . وقَضِيَّتُهُ تَخْصِيْصُ المَنْعِ بِما إذا رَوَيْنَا التَّصْنِيْفَ ، أوْ نَسَخْنَاهُ ، أمَّا إذا نَقَلْنَا مِنْهُ إلى أجْزَائِنَا وتَخَارِيْجِنا ، فَلاَ : إذِ التَّصْنِيْفُ حِيْنَئِذٍ لَمْ يُغَيَّرْ . ذَكَرَهُ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ ( 1 ) ، وأَقَرَّهُ شَيْخُنَا ، وعَلَيْهِ عَمَلُ جَمَاعَةٍ . قَالَ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ : ( ( لَكِنَّهُ لَيْسَ جَارِياً عَلَى الاصْطِلاَحِ ، فَإِنَّ الاصطِلاحَ عَلَى أنْ لا تُغَيَّرَ الألْفَاظُ بَعْدَ الانْتِهَاءِ إلى الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ ، سَوَاءٌ أَرَوَيْنَاها فِيْهَا أمْ نَقَلْنَاها مِنْهَا ؟ ) ) ( 2 ) . ووَافَقَهُ النَّاظِمُ عَلَى ذَلِكَ ( 3 ) .

--> = أحدهما : الفصاحة والبلاغة ، إذ جبلتهم عربية ، ولغتهم سليقة . والثاني : أنهم شاهدوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله ، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة ، واستيفاء المقصد كله ، وليس من أخبر كمن عاين . ألا تراهم يقولون في كُلّ حديث : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا ، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كذا ، ولا يذكرون لفظه ، وكان ذلك خبراً صحيحاً ونقلاً لازماً ، وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه ) ) . أحكام القرآن 1 / 35 - 36 . وممن قال بهذا الماوردي والروياني . فتح المغيث 2 / 212 . ووافقه على ذلك القاضي عياض ، فقال : ( ( لكن لحماية الباب من تسلط من لا يحسن ، وغلط الجهلة في نفوسهم ، وظنهم المعرفة مع القصور ، يجب سدّ هذا الباب ، إذ فعل هذا من لم يبلغ درجة الكمال في معرفة المعاني حرام باتفاقٍ ) ) . إكمال المعلم 1 / 95 . وهذا المبحث استوعب جوانبه الشّيخ طاهر الجزائري في كتابه " توجيه النظر " 2 / 671 - 702 ، وانظر : الإحكام لابن حزم 2 / 86 - 90 . ( 1 ) انظر : الاقتراح : 245 - 246 . ( 2 ) انظر : الاقتراح : 245 - 246 . ( 3 ) انظر : شرح التبصرة والتذكرة 2 / 266 .