النووي
67
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَلَا يَخْفَى عَلَى الطَّرِيقِ الثَّالِثِ أَنَّ اللِّعَانَ سَبَبٌ عَارِضٌ ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقِيلَ : هُوَ مِمَّا لَهَا فِيهِ مُدْخَلٌ ، لِأَنَّهَا أَحْوَجَتْهُ إِلَيْهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالطَّلَاقِ ، وَإِنْ نَفَى حَمْلَهَا لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : هِيَ لِلْحَمْلِ أَمْ لِلْحَامِلِ ، وَتَسْتَحِقُّ السُّكْنَى عَلَى الْأَصَحِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ . وَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ، وَقُلْنَا : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ فَلَاعَنَ ؛ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : فَإِنْ أَثْبَتْنَا لِلْمُلَاعَنَةِ السُّكْنَى ، فَهَذِهِ أَوْلَى ، لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ طَلَاقٍ ، وَإِلَّا فَتَحْمِلُ وَجْهَيْنِ ، وَإِذَا لَاعَنَ وَهِيَ حَامِلٌ وَنَفَاهُ ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، وَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ ، طُولِبَ بِنَفَقَةِ مَا مَضَى ، نَصَّ عَلَيْهِ فَقِيلَ : هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَامِلِ . أَمَّا إِذَا قُلْنَا : لِلْحَمْلِ : فَلَا مُطَالَبَةَ ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : تَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلْحَمْلِ ، فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَى الْحَامِلِ وَهِيَ صَاحِبَةُ حَقٍّ فِيهَا فَتَصِيرُ دَيْنًا كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ . وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا أَرْضَعَتِ الْوَلَدَ ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ الرَّضَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ فِي « الْأُمِّ » وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الْوَلَدِ مُدَّةً ، ثُمَّ رَجَعَ ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ ، لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا ، فَإِذَا بَانَ خِلَافُهُ ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَقَضَاهُ ، فَبَانَ خِلَافُهُ يَرْجِعُ ، وَكَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ إِعْسَارِهِ ، فَبَانَ مُوسِرًا ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُتَبَرِّعِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، وَجْهَانِ ، إِنْ قُلْنَا : لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ ، وَإِلَّا فَلَا . هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ غَيْرَ مَنْكُوحَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةً وَأَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا عَلَى الْوَاطِئِ ، سَقَطَتْ عَنِ الزَّوْجِ قَطْعًا ، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَصَحِّ وَاسْتَحْسَنَ فِي « الْوَسِيطِ » أَنَّهَا إِنْ وُطِئَتْ نَائِمَةً أَوْ مُكْرَهَةً ، فَلَهَا النَّفَقَةُ ، وَإِنْ مَكَّنَتْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ زَوْجُهَا ، فَلَا نَفَقَةَ ، لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْغَرَامَاتِ .