النووي
51
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
حَدَّا أَوْ قِصَاصًا أَوْ مَالًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّينَ ، عِنَادًا أَوْ مُكَابَرَةً ، وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِتَأْوِيلٍ ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَحْكَامُ الْبُغَاةِ ، وَكَذَا الْمُرْتَدُّونَ ، ثُمَّ التَّأْوِيلُ لِلْبُغَاةِ إِنْ كَانَ بُطْلَانُهُ مَظْنُونًا ، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ ، وَإِنْ كَانَ بُطْلَانُهُ مَقْطُوعًا بِهِ ، فَوَجْهَانِ ، أَوْفَقُهُمَا لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ : أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ، كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ وَشُبْهَتِهِمْ ، وَالثَّانِي : يُعْتَبَرُ ، وَيَكْفِي تَغْلِيطُهُمْ فِيهِ ، وَقَدْ يَغْلَطُ الْإِنْسَانُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ . فَرْعٌ الْخَوَارِجُ صِنْفٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً كَفَرَ وَخُلِّدَ فِي النَّارِ ، وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ ، وَلَا يَحْضُرُونَ مَعَهُمُ الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : لَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ ، وَتَجَنَّبُوا الْجَمَاعَاتِ ، وَكَفَّرُوا الْإِمَامَ وَمَنْ مَعَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا وَكَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، لَمْ يُقْتَلُوا وَلَمْ يُقَاتَلُوا ، ثُمَّ إِنَّ صَرَّحُوا بِسَبِّ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ، عُزِّرُوا ، وَإِنْ عَرَّضُوا ، فَفِي تَعْزِيرِهِمْ وَجْهَانِ . قُلْتُ : أَصَحُّهُمَا : لَا يُعَزَّرُونَ ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ ، وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ « التَّنْبِيهِ » . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ إِلَيْهِمْ وَالِيًا فَقَتَلُوهُ ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ ، وَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُ قَاتِلِهِ ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ ; لِأَنَّهُ شَهَرَ السِّلَاحَ أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِخَافَةَ الطَّرِيقِ ؟ وَجْهَانِ . قُلْتُ : أَصَحُّهُمَا : لَا يَتَحَتَّمُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُمْ إِنْ قَاتَلُوا ، فَهُمْ فَسَقَةٌ وَأَصْحَابُ بُهْتٍ ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، فَهَذَا تَرْتِيبُ الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ وَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ،