النووي
42
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
كِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ فِيهِ بَابَانِ : الْأَوَّلُ فِي الْإِمَامَةِ ، وَفِيهِ فُصُولٌ : الْأَوَّلَ : فِي شُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَهِيَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا مُسْلِمًا عَدْلًا ، حُرًّا ذَكَرًا عَالِمًا ، مُجْتَهِدًا شُجَاعًا ، ذَا رَأْيٍ وَكِفَايَةٍ ، سَمِيعًا بَعِيدًا ، نَاطِقًا قُرَشِيًّا ، فِي اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُذُنِ خِلَافٌ ، جَزَمَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ، وَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِاشْتِرَاطِ سَلَامَتِهِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةَ النُّهُوضِ ، وَهَذَا أَصَحُّ . قُلْتُ : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : عَشَا الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ ; لِأَنَّهُ مَرَضٌ فِي زَمَنِ الِاسْتِرَاحَةِ ، وَيُرْجَى زَوَالُهُ ، وَضَعْفُ الْبَصَرِ إِنْ كَانَ يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ الْأَشْخَاصِ ، مَنَعَ انْعِقَادَ الْإِمَامَةِ وَاسْتَدَامَتَهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَفَقْدُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَقَطْعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، لَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قُرَشِيٌّ مُسْتَجْمِعٌ الشُّرُوطَ ، فَكِنَانِيٌّ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ، فَرَجُلٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْتَجْمِعٌ الشَّرَائِطَ ، فَفِي « التَّهْذِيبِ » أَنَّهُ يُوَلَّى رَجُلٌ مِنَ الْعَجَمِ ، وَفِي « التَّتِمَّةِ » أَنَّهُ يُوَلَّى جُرْهُمِيٌّ ، وَجُرْهُمٌ أَصْلُ الْعَرَبِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ جُرْهُمِيٌّ ، فَرَجُلٌ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا ، وَلَا كَوْنُهُ مَعْصُومًا ، وَفِي جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ لَمْ تَتَّفِقِ الْكَلِمَةُ إِلَّا عَلَيْهِ ، جَازَتْ تَوْلِيَتُهُ بِلَا خِلَافٍ ، لِتَنْدَفِعَ الْفِتْنَةُ ، وَلَوْ نَشَأَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَفْضُولِ ، لَمْ يُعْدَلْ إِلَى النَّاشِئِ بِلَا خِلَافٍ . الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي وُجُوبِ الْإِمَامَةِ وَبَيَانِ طُرُقِهَا ، لَا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنْ إِمَامٍ يُقِيمُ الدِّينَ ، وَيَنْصُرُ السُّنَّةَ ، وَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ ، وَيَسْتَوْفِي الْحُقُوقَ وَيَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا .