النووي

43

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

قُلْتُ : تَوَلِّيِ الْإِمَامَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ إِلَّا وَاحِدًا ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ طَلَبُهَا إِنْ لَمْ يَبْتَدِئُوهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَتَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ ، أَحَدُهَا : الْبَيْعَةُ ، كَمَا بَايَعَتِ الصَّحَابَةُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَفِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِبَيْعَتِهِمْ سِتَّةُ أَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا : أَرْبَعُونَ ، وَالثَّانِي : أَرْبَعَةٌ ، وَالثَّالِثُ : ثَلَاثَةٌ ، وَالرَّابِعُ : اثْنَانِ ، وَالْخَامِسُ : وَاحِدٌ ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَاحِدِ مُجْتَهِدًا . وَعَلَى الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ مُجْتَهِدٌ لِيُنْظَرَ فِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مُجْتَهِدِينَ ، وَالسَّادِسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ : أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَسَائِرِ وُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ حُضُورُهُمْ ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْأَصْقَاعِ ، بَلْ إِذَا وَصَلَهُمْ خَبَرُ أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ ، لَزِمَهُمُ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُتَابَعَةُ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلِاعْتِبَارِ عَدَدٌ ، بَلْ لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ ، حَتَّى لَوْ تَعَلَّقَ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ بِوَاحِدٍ مُطَاعٍ ، كَفَتْ بَيْعَتُهُ ; لِانْعِقَادِ الْإِمَامَةِ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُبَايِعُونَ بِصِفَةِ الشُّهُودِ ، وَذُكِرَ فِي « الْبَيَانِ » فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ شَاهِدَيْنِ الْبَيْعَةَ ، وَجْهَيْنِ . قُلْتُ : الْأَصَحُّ : لَا يُشْتَرَطُ إِنْ كَانَ الْعَاقِدُونَ جَمْعًا ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا ، اشْتُرِطَ الْإِشْهَادُ ، وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُشْتَرَطُ حُضُورُ الشُّهُودِ لِئَلَّا يُدَّعَى عَقْدٌ سَابِقٌ ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَيْسَتْ دُونَ النِّكَاحِ ، لَكِنَّ اخْتِيَارَ الْإِمَامِ انْعِقَادُهَا بِوَاحِدٍ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدِينَ : الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ وَالرَّأْيُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُشْتَرَطُ ; لِانْعِقَادِ الْإِمَامَةِ أَنْ يُجِيبَ الْمُبَايِعُ ، فَإِنِ امْتَنَعَ ، لَمْ تَنْعَقِدْ إِمَامَتُهُ ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا .