النووي

33

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

يُعَرِّفُ حُصُولَ الْقَتْلِ بِقَرَائِنَ يُشَاهِدُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَرَ إِلَّا الْجُرْحَ وَإِنْهَارَ الدَّمِ ، وَحُصُولَ الْمَوْتِ ، فَلِلْإِمَامِ تَرَدُّدٌ فِي جَوَازِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ بِهِ ، قَالَ : وَالْوَجْهُ : الْمَنْعُ ، وَلَوْ قَالَ : ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ ، أَوْ أَسَالَ دَمَهُ ، ثَبَتَتِ الدَّامِيَةُ وَلَوْ قَالَ : فَسَالَ دَمُهُ ، لَمْ تَثْبُتْ ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ السَّيَلَانِ بِغَيْرِهِ ، وَلَوْ قَالَ : ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ ، فَأَوْضَحَ رَأَسَهُ ، أَوْ فَاتَّضَحَ مِنْ ضَرْبِهِ أَوْ بِجُرْحِهِ ، ثَبَتَتِ الْمُوضِحَةُ ، وَلَوْ قَالَ : ضَرَبَهُ ، فَوَجَدْنَا رَأْسَهُ مُوضَحًا ، أَوْ فَاتَّضَحَ ، لَمْ تَثْبُتْ ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِوُضُوحِ الْعَظْمِ ، وَلَا يَكْفِي إِطْلَاقُ الْمُوضِحَةِ ، فَإِنَّهَا مِنَ الْإِيضَاحِ ، وَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِإِيضَاحِ الْعَظْمِ ، وَتَنْزِيلُ لَفْظِ الشَّاهِدِ عَلَى أَلْقَابٍ اصْطَلَحَ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهَا لَا وَجْهَ لَهُ ، فَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا ، وَعَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْمُوضِحَةَ إِلَّا عَلَى مَا يُوضِحُ الْعَظْمَ ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ ، قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ ، لِفَهْمِ الْمَقْصُودِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَ الْكَشْفَ لَفْظًا ; لِأَنَّ لِلشَّرْعِ تَعَبُّدًا فِي لَفْظِ الشَّهَادَاتِ وَإِنْ أَفْهَمَ غَيْرُهَا الْمَقْصُودَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَحَلِّ الْمُوضِحَةِ وَبَيَانِ مِسَاحَتِهَا لِيَجِبَ الْقِصَاصُ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ مَوَاضِحُ ، وَعَجَزُوا عَنْ تَعْيِينِ مُوضِحَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَلَا قِصَاصَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ إِلَّا مُوضِحَةٌ ، وَشَهِدُوا أَنَّهُ أَوْضَحَ رَأْسَهُ ، فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا ، لِجَوَازِ أَنَّهَا كَانَتْ مُوضِحَةً صَغِيرَةً فَوَسَّعَهَا ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إِذَا قَالُوا : أَوْضَحَ هَذِهِ الْمُوضِحَةَ ، وَهَلْ يَجِبُ الْأَرْشُ إِذَا أَطْلَقُوا أَنَّهُ أَوْضَحَ مُوضِحَةً ، وَعَجَزُوا عَنْ تَعْيِينِهَا ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ; لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا ، وَإِنَّمَا تَعَذُّرُ الْقِصَاصَ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَصُّهُ فِي « الْأُمِّ » أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ فُلَانٍ ، وَلَمْ يُعَيِّنْهَا ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ ، وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَالصُّورَةُ هَذِهِ ، فَهَلْ تَنْزِلُ شَهَادَتُهُمْ هَذِهِ عَلَى مَا نُشَاهِدُهَا مَقْطُوعَةً أَمْ يُشْتَرَطُ تَنْصِيصُهُمْ ؟ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ خِلَافٌ .