النووي

59

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ ، عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَنْجِيزِ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ بَلْ يَكْفِي التَّوَعُّدُ . وَفِيمَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا ، سَبْعَةُ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : الْقَتْلُ فَقَطْ . حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالْإِمَامُ . وَالثَّانِي : الْقَتْلُ ، أَوْ قَطْعُ طَرَفٍ ، أَوْ ضَرْبٌ يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ . وَالثَّالِثُ : قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَثِيرُونَ : أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَا سَبَقَ أَيْضًا الضَّرْبُ الشَّدِيدُ ، وَالْحَبْسُ ، وَأَخْذُ الْمَالِ ، وَإِتْلَافُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي « الْإِفْصَاحِ » وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَوْ تَوَعَّدَهُ بِنَوْعِ اسْتِخْفَافٍ ، وَكَانَ الرَّجُلُ وَجِيهًا يَغُضُّ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ . قَالَ هَؤُلَاءِ : فَالضَّرْبُ وَالْحَبْسُ وَالِاسْتِخْفَافُ ، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ . وَالتَّخْوِيفُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَأَخْذِ الْمَالِ ، لَا يَخْتَلِفُ . وَقَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ : يَخْتَلِفُ بِأَخْذِ الْمَالِ ، فَلَا يَكُونُ تَخْوِيفُ الْمُوسِرِ بِأَخْذِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْهُ إِكْرَاهًا ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ ، فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ هِيَ الْمَوْجُودَةُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ . وَأَصَحُّهَا : الثَّالِثُ ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا . وَالرَّابِعُ : أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا خَوَّفَهُ بِمَا يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ ، وَيَجْعَلُهُ كَالْهَارِبِ مِنَ الْأَسَدِ الَّذِي يَتَخَطَّى النَّارَ وَالشَّوْكَ ، وَلَا يُبَالِي ، فَعَلَى هَذَا الْحَبْسُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ . وَكَذَا التَّخْوِيفُ بِالْإِيلَامِ الشَّدِيدِ . قَالَ الْإِمَامُ : لَكِنْ لَوْ فُوتِحَ بِهِ ، احْتُمِلَ جَعْلُهُ إِكْرَاهًا . وَالْخَامِسُ : لَا يُشْتَرَطُ سُقُوطُ الِاخْتِيَارِ ، بَلْ إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى فِعْلٍ يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ حَذَرًا مِمَّا تَهَدَّدَهُ بِهِ ، حَصَلَ الْإِكْرَاهُ . فَعَلَى هَذَا ، يُنْظَرُ فِيمَا طَلَبَهُ مِنْهُ وَمَا هَدَّدَهُ بِهِ ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إِكْرَاهًا فِي مَطْلُوبٍ دُونَ مَطْلُوبٍ ، وَفِي شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ . فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ ، حَصَلَ بِالْقَطْعِ وَبِالتَّخْوِيفِ