النووي

60

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

بِالْحَبْسِ الطَّوِيلِ ، وَبِتَخْوِيفِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ بِالصَّفْعِ فِي الْمَلَأِ ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ وَالطَّوْفِ بِهِ فِي السُّوقِ . وَقِيلَ : لَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ وَمَا بَعْدَهُ إِكْرَاهًا ، وَطُرِدَ هَذَا الْخِلَافُ فِي التَّخْوِيفِ بِقَتْلِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ ، أَنَّهُ إِكْرَاهٌ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّخْوِيفَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لَيْسَ إِكْرَاهًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى قَتْلٍ فَالتَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ ، وَإِتْلَافِ الْمَالِ لَيْسَ إِكْرَاهًا . وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى إِتْلَافِ مَالٍ ، فَالتَّخْوِيفُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِكْرَاهًا . وَقِيلَ : لَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِإِتْلَافِ الْمَالِ إِكْرَاهًا فِي إِتْلَافِ الْمَالِ . الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّخْوِيفِ بِعُقُوبَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الْمُكْرَهِ ، بِحَيْثُ لَوْ حَقَّقَهَا تَعَلَّقَ بِهِ قِصَاصٌ ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ ، كَأَخْذِ الْمَالِ وَقَتْلِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ، وَالزَّوْجَةِ ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ ، وَالْحَبْسِ الْمُؤَبَّدِ ، إِلَّا أَنْ يُخَوِّفَهُ بِحَبْسٍ فِي قَعْرِ بِئْرٍ يَغْلِبُ مِنْهُ الْمَوْتُ . وَاخْتَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا . الْوَجْهُ السَّابِعُ : لَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ إِلَّا بِعُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ ، وَالضَّرْبُ الشَّدِيدُ ، وَالتَّجْوِيعُ وَالتَّعْطِيشُ ، وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ ، وَيَخْرُجُ مَا خَرَجَ عَنِ الْوَجْهِ السَّادِسِ ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ التَّخْوِيفُ بِالِاسْتِخْفَافِ بِإِلْقَاءِ الْعِمَامَةِ وَالصَّفْعِ ، وَمَا يُخِلُّ بِالْجَاهِ . وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، دُخُولَ الْحَبْسِ وَخُرُوجَ قَتْلِ الْوَلَدِ ، وَأَمَّا التَّخْوِيفُ بِالنَّفْيِ عَنِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ، فَكَالْحَبْسِ الدَّائِمِ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : إِكْرَاهٌ ، لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْوَطَنِ شَدِيدَةٌ ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ عُقُوبَةً لِلزَّانِي ، وَجَعَلَ الْبَغْوَيُّ التَّخْوِيفَ بِاللِّوَاطِ ، كَالتَّخْوِيفِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ . وَقَالَ : لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِكْرَاهًا عَلَى الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ . وَفِي كَوْنِهِ إِكْرَاهًا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَجْهَانِ . قُلْتُ : الْأَصَحُّ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْمُنْتَشِرِ ، هُوَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ ، لَكِنْ فِي بَعْضِ