النووي
79
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَصْلٌ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ حِفْظُ مَالِ الصَّبِيِّ وَصَوْنُهُ عَنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ ، وَعَلَيْهِ اسْتِنْمَاءُ قَدْرِ مَا لَا تَأْكُلُ النَّفَقَةُ وَالْمُؤَنُ الْمَالَ إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْمَاءِ وَطَلَبِ النِّهَايَةِ . وَإِذَا طُلِبَ مَتَاعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، لَزِمَهُ بَيْعُهُ . وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يُبَاعُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَلِلطِّفْلِ مَالٌ ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ إِذَا لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ لِنَفْسِهِ ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الطَّرَفَيْنِ ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَقَيَّدَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْغِبْطَةِ ، بَلْ بِالْأَمْوَالِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ . أَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَى عَيْنِهِ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى بَيْعِهِ وَإِنْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ . وَكَذَا الْعَقَارُ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ كِفَايَتُهُ . وَكَذَا فِي طَرَفِ الشِّرَاءِ قَدْ يُؤْخَذُ الشَّيْءُ رَخِيصًا ، لَكِنَّهُ عُرْضَةٌ لِلتَّلَفِ ، وَلَا يَتَيَسَّرُ بَيْعُهُ لِقِلَّةِ الرَّاغِبِينَ فِيهِ ، فَيَصِيرُ كَلًّا عَلَى مَالِكِهِ . قُلْتُ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، هُوَ الصَّوَابُ ، وَلَا يُغْتَرُّ بِمَا خَالَفَهُ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَرْعٌ إِذَا تَضَجَّرَ الْأَبُ بِحِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ ، رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَنْصِبَ قَيِّمًا بِأُجْرَةٍ ، وَلَهُ أَنْ يَنْصِبَ بِنَفْسِهِ ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ . وَلَوْ طَلَبَ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يُثْبِتَ لَهُ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ ، فَالَّذِي يُوَافِقُ كَلَامَ الْجُمْهُورِ : أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُ إِلَيْهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا يَنْقَطِعُ عَنْ كَسْبِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا سَبَقَ فِي « الْحَجْرِ » ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ . قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : يُثْبِتُ لَهُ أُجْرَةً ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ، فَجَازَ لَهُ طَلَبُهَا لِنَفْسِهِ ، وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ . وَعَلَى هَذَا ، لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْقَاضِي ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِهِ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُتَبَرِّعٌ بِالْحِفْظِ وَالْعَمَلِ . فَإِنْ وُجِدَ مُتَبَرِّعٌ ، وَطَلَبَ الْأَبُ الْأُجْرَةَ ،