النووي
66
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَرْعٌ أَوْدَعَ عِنْدَ رَجُلٍ مَالًا ، ثُمَّ رَهَنَهُ عِنْدَهُ ، فَظَاهِرُ نَصِّهِ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنٍ جَدِيدٍ فِي الْقَبْضِ ، وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ ، فَظَاهِرُ نَصِّهِ : حُصُولُ الْقَبْضِ بِلَا إِذْنٍ فِي الْقَبْضِ ، وَلِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ . أَصَحُّهَا : فِيهِمَا قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا : اشْتِرَاطُ الْإِذْنِ فِيهِمَا . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَوْثِيقٌ ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِغَيْرِ الْقَبْضِ ، وَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ ، وَمَقْصُودُهُ الِانْتِفَاعُ ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، فَكَانَتِ الْهِبَةُ لِمَنْ فِي يَدِهِ رِضًا بِالْقَبْضِ . وَالثَّالِثُ بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِيهِمَا ، قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ . وَسَوَاءٌ شَرَطَ الْإِذْنَ الْجَدِيدَ ، أَمْ لَا ، فَلَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَانٌ يَتَأَتَّى فِيهِ صُورَةُ الْقَبْضِ . لَكِنْ إِذَا شَرَطَ الْإِذْنَ ، فَهَذَا الزَّمَانُ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْإِذْنِ . وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، فَمِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ . وَقَالَ حَرْمَلَةُ : لَا حَاجَةَ إِلَى مُضِيِّ هَذَا الزَّمَانِ ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِنَفْسِهِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . قُلْتُ : قَوْلُهُ : قَالَ حَرْمَلَةُ مَعْنَاهُ : قَالَ حَرْمَلَةُ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ ، لَا نَقْلًا عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ . وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا ، لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِعِبَارَةِ صَاحِبِ « الْمُهَذَّبِ » فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ ، أَوْ كَالصَّرِيحَةِ ، فِي أَنَّ حَرْمَلَةَ نَقَلَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَحَصَلَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ وَجْهَيْنِ ، لَا قَوْلَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَعَلَى الصَّحِيحِ ، إِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ مَنْقُولًا غَائِبًا ، اعْتُبِرَ زَمَانٌ يُمْكِنُ الْمَصِيرُ فِيهِ إِلَيْهِ وَنَقْلُهُ . وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ نَفْسُ الْمَصِيرِ وَمُشَاهَدَتُهُ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ . أَصَحُّهُمَا : لَا . وَالثَّانِي : نَعَمْ . وَالثَّالِثُ : إِنْ كَانَ مِمَّا يُشَكُّ فِي بَقَائِهِ ، كَالْحَيَوَانِ ، فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْآفَاتِ ، اشْتُرِطَ . وَإِنْ تَيَقَّنَ بَقَاؤُهُ ، فَلَا ، فَإِنْ شَرَطْنَا الْحُضُورَ وَالْمُشَاهَدَةَ ، فَالْمَذْهَبُ