النووي

3

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

كِتَابُ السَّلَمِ يُقَالُ : السَّلَمُ وَالسَّلَفُ ، وَلَفْظَةُ السَّلَفِ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَرْضِ ، وَيَشْتَرِكُ السَّلَمُ وَالْقَرْضُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِمَبْذُولٍ فِي الْحَالِ ، وَذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ السَّلَمِ عِبَارَاتٍ مُتَقَارِبَةً . مِنْهَا : أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا . وَقِيلَ : إِسْلَامُ عِوَضٍ حَاضَرٍ فِي مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ . وَقِيلَ : إِسْلَافٌ عَاجِلٌ فِي عِوَضٍ لَا يَجِبُ تَعْجِيلُهُ . ثُمَّ السَّلَمُ : بَيْعٌ ، كَمَا سَبَقَ ، وَيَخْتَصُّ بِشُرُوطٍ : الشَّرْطُ الْأَوَّلُ : تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ . فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِهِ ، بَطَلَ الْعَقْدُ . وَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ بَعْضِهِ ، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ ، وَسَقَطَ بِقِسْطِهِ مِنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ . وَالْحُكْمُ فِي الْمَقْبُوضِ ، كَمَنِ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ . وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْعَقْدِ ، بَلْ لَوْ قَالَ : أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ دَيْنَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا ، ثُمَّ عُيِّنَ وَسُلِّمَ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّرْفِ لَوْ بَاعَ دَيْنَارًا بِدَيْنَارٍ ، أَوْ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ ، عُيِّنَ وَسُلِّمَ فِي الْمَجْلِسِ ، وَلَوْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ عُيِّنَ وَسُلِّمَ فِي الْمَجْلِسِ فَوَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ : الْجَوَازُ . وَالثَّانِي : الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ فِيهِ يَطُولُ بِخِلَافِ الصَّرْفِ . فَلَوْ قَبَضَ رَأْسَ الْمَالِ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ . وَلَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ عَنْ دَيْنٍ ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ قَبْلَ انْبِرَامِ مِلْكِهِ . فَإِذَا تَفَرَّقَا ، فَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ لِحُصُولِ الْقَبْضِ وَانْبِرَامِ الْمِلْكِ ، وَيَسْتَأْنِفُ إِقْبَاضَهُ لِلدَّيْنِ . وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ، فَقَالَ : أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي لِي فِي ذِمَّتِكَ فِي كَذَا ، فَإِنْ أَسْلَمَ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا وَلَمْ يَقْبِضِ الْمُسْلَمَ فِيهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فَهُوَ