النووي
343
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا ، بَلْ قَالَ : لِي عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ ، فَسَكَتَ ، لَمْ يَضْمَنْ . وَإِنْ أَنْكَرَ ، لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْإِخْفَاءِ غَرَضٌ صَحِيحٌ ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الطَّلَبِ . فَلَوْ جَحَدَ ثُمَّ قَالَ : كُنْتُ غَلَطْتُ أَوْ نَسِيتُ ، لَمْ يَبْرَأْ ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَالِكُ . فَرْعٌ مَنْ أَنْكَرَ وَدِيعَةً ادُّعِيَتْ ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ . فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِالْإِيدَاعِ ، أَوِ اعْتَرَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، طُولِبَ بِهَا . فَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا أَوْ تَلَفَهَا قَبْلَ الْجُحُودِ أَوْ بَعْدَهُ ، نُظِرَ فِي صِيغَةِ جُحُودِهِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ الرَّدَّ ؛ لِتَنَاقُضِ كَلَامِهِ وَظُهُورِ خِيَانَتِهِ . وَأَمَّا فِي دَعْوَى التَّلَفِ ، فَيُصَدَّقُ ، لَكِنَّهُ كَالْغَاصِبِ فَيَضْمَنُ . وَهَلْ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْلِيفِ الْمَالِكِ ؟ وَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرَّدِّ أَوِ التَّلَفِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَسِيَ فَصَارَ كَمَنِ ادَّعَى وَقَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي ، ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ . فَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالرَّدِّ أَوِ الْهَلَاكِ قَبْلَ الْجُحُودِ ، سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ . وَإِنْ قَامَتْ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ الْجُحُودِ ، ضَمِنَ ، لِخِيَانَتِهِ . وَقَدْ حَكَيْنَا فِي أَلْفَاظِ الْمُرَابَحَةِ إِذَا قَالَ : اشْتَرَيْتُ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ ، أَنَّ الْأَصْحَابَ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ لَا يَذْكُرَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا فِي الْغَلَطِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَذْكُرَهُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمِثْلِهِ هُنَا ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا مُتَّجِهَةٌ . وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ جُحُودِهِ : لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ ، أَوْ مَا لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ شَيْءٌ ، صُدِّقَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ وَالتَّلَفِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَاقِضُ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ . فَإِنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ كَانَ بَاقِيًا يَوْمَ الْجُحُودِ ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ . وَإِنِ ادَّعَى الْهَلَاكَ ، فَكَالْغَاصِبِ إِذَا ادَّعَاهُ . وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَيَضْمَنُ . الْحُكْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ : رَدَّهَا عِنْدَ بَقَائِهَا ، فَإِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ بَاقِيَةً ، لَزِمَ الْمُودَعَ رَدُّهَا إِذَا طَلَبَهَا الْمَالِكُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الرَّدِّ وَتَحَمُّلُ