النووي

327

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

وَلَوْ عَزَلَ الْمُودَعُ نَفْسَهُ ، فَانْعِزَالُهُ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ إِذْنٌ ، أَمْ عَقْدٌ ؟ إِنْ قُلْنَا : إِذْنٌ ، فَالْعَزْلُ لَغْوٌ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِلضِّيفَانِ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَزَلْتُ نَفْسِي ، يَلْغُو قَوْلُهُ ، وَلَهُ الْأَكْلُ بِالْإِذْنِ السَّابِقِ . فَعَلَى هَذَا ، تَبْقَى الْوَدِيعَةُ بِحَالِهَا . وَإِنْ قُلْنَا : عَقْدٌ ، انْفَسَخَتْ وَبَقِيَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً ، كَالرِّيحِ تُطَيِّرُ الثَّوْبَ إِلَى دَارِهِ ، فَعَلَيْهِ الرَّدُّ عِنْدَ التَّمَكُّنِ وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ عَلَى الْأَصَحِّ . فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، ضَمِنَ . [ الْحُكْمُ ] الثَّانِي : أَنَّهَا أَمَانَةٌ ، فَلَا يَضْمَنُ إِلَّا عِنْدَ التَّقْصِيرِ ، وَأَسْبَابُ التَّقْصِيرِ تِسْعَةٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يُودِعَهَا الْمُودَعُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ ، فَيَضْمَنُ ، سَوَاءٌ أَوْدَعَ عِنْدَ عَبْدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَابْنِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ . وَالْكَلَامُ فِي تَضْمِينِ الْمَالِكِ الْمُودَعَ الثَّانِيَ قَدْ سَبَقَ فِي بَابَيِ الرَّهْنِ وَالْغَصْبِ . وَإِنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ الْقَاضِي ، فَوَجْهَانِ - سَوَاءٌ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا - أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ : يَضْمَنُ . فَإِنْ جَوَّزْنَا الدَّفْعَ إِلَى الْقَاضِي ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَبُولُ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا وَالدَّفْعُ عَلَيْهِ مُتَيَسِّرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْغَائِبِينَ . وَإِذَا حَمَلَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ إِلَى الْقَاضِي ، فَفِي وُجُوبِ الْقَبُولِ الْوَجْهَانِ ، لَكِنَّ هَذَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِيَبْقَى مَضْمُونًا لِلْمَالِكِ . وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَوْ حَمَلَهُ إِلَى الْقَاضِي ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ قَبُولُهُ ، فَالْقَاضِي أَوْلَى ، وَإِلَّا ، فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَرَّضُ لِلتَّلَفِ ، وَإِذَا تَعَيَّنَ ، تَعَرَّضَ لَهُ . وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِيمَا إِذَا اسْتَحْفَظَ غَيْرَهُ وَأَزَالَ يَدَهُ وَنَظَرَهُ عَنِ الْوَدِيعَةِ . أَمَّا إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ فِي حَمْلِهَا إِلَى الْحِرْزِ ، فَلَا بَأْسَ ، كَمَا لَوِ اسْتَعَانَ فِي سَقْيِ الْبَهِيمَةِ وَعَلْفِهَا . قَالَ الْقَفَّالُ : وَكَذَا لَوْ كَانَتْ خِزَانَتُهُ وَخِزَانَةُ ابْنِهِ وَاحِدَةً فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ لِيَضَعَهَا فِي الْخِزَانَةِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْمُودَعَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِحَاجَاتِهِ ، فَاسْتَحْفَظَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ مُتَّصِلِيهِ ، وَكَانَ يُلَاحِظُ الْمَخْزَنَ فِي عَوْدَاتِهِ ، فَلَا بَأْسَ . وَإِنْ فَوَّضَ الْحِفْظَ إِلَى بَعْضِهِمْ ، وَلَمْ يُلَاحِظِ الْوَدِيعَةَ