ابن أبي العز الحنفي

87

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

فَلَمَّا كَانَ هَذَا الشِّرْكُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ مَوْجُودًا فِي النَّاسِ ، بَيَّنَ الْقُرْآنُ بُطْلَانَهُ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } [ سورة الْمُؤْمِنُونَ : 91 ] . فَتَأَمَّلْ هَذَا الْبُرْهَانَ الْبَاهِرَ ، بِهَذَا اللَّفْظِ الْوَجِيزِ الظَّاهِرِ , فَإِنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا فَاعِلًا ، يُوصِلُ إِلَى عَابِدِهِ 1 النَّفْعَ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الضُّرَّ ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ سُبْحَانَهُ إِلَهٌ آخَرُ يُشْرِكُهُ فِي مُلْكِهِ ، لَكَانَ لَهُ خَلْقٌ وَفِعْلٌ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرْضَى تِلْكَ الشَّرِكَةَ ، بَلْ إِنْ قَدَرَ عَلَى قَهْرِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْمُلْكِ وَالْإِلَهِيَّةِ دُونَهُ فَعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ انْفَرَدَ [ بِخَلْقِهِ وَذَهَبَ بِذَلِكَ الْخَلْقِ ، كَمَا يَنْفَرِدُ مُلُوكُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ عن بعض بملكه ، إِذَا لَمْ يَقْدِرُ الْمُنْفَرِدُ ] مِنْهُمْ عَلَى قَهْرِ الْآخَرِ وَالْعُلُوِّ عَلَيْهِ , فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : إِمَّا أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِخَلْقِهِ وَسُلْطَانِهِ . وَإِمَّا أَنْ يَعْلُوَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا تَحْتَ قَهْرِ مَلِكٍ وَاحِدٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ ، بَلْ يَكُونُ وَحْدَهُ هُوَ الْإِلَهُ ، وَهُمُ الْعَبِيدُ الْمَرْبُوبُونَ الْمَقْهُورُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ . وَانْتِظَامُ أَمْرِ الْعَالَمِ كُلِّهِ وَإِحْكَامِ أَمْرِهِ ، مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مُدَبِّرَهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وَمَلِكٌ وَاحِدٌ ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ ، لَا إِلَهَ لِلْخَلْقِ غَيْرُهُ ، وَلَا رَبَّ لَهُمْ سِوَاهُ , كَمَا قَدْ دَلَّ [ دَلِيلُ ] التَّمَانُعِ عَلَى أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ ، لا رب غيره ولا إله سواه ، فذلك تَمَانُعٌ فِي الْفِعْلِ وَالْإِيجَادِ ، وَهَذَا تَمَانُعٌ فِي الْعِبَادَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ , فَكَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ رَبَّانِ خَالِقَانِ مُتَكَافِئَانِ ، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ [ لَهُمْ ] إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ . فَالْعِلْمُ بِأَنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ عَنْ صَانِعَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطَرِ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ ، فَكَذَا تَبْطُلُ إِلَهِيَّةُ اثْنَيْنِ , فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مُوَافِقَةٌ لِمَا ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ فِي الْفِطَرِ مِنْ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، دَالَّةٌ مُثْبِتَةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ . وَقَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [ الْأَنْبِيَاءِ : 22 ] , وَقَدْ ظَنَّ طَوَائِفُ أَنَّ هَذَا دَلِيلُ التَّمَانُعِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذكره ، وهو أنه لو

--> 1 في الأصل : عباده .