ابن أبي العز الحنفي
88
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )
كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ الْخَ ، وَغَفَلُوا عَنْ مَضْمُونِ الْآيَةِ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ غَيْرُهُ ، وَلَمْ يَقُلْ أَرْبَابٌ . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ وُجُودِهِمَا ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَهُمَا مَوْجُودَتَانِ آلِهَةٌ سِوَاهُ لَفَسَدَتَا . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ : " لَفَسَدَتَا " ، وَهَذَا فَسَادٌ بَعْدَ الْوُجُودِ ، وَلَمْ يَقُلْ : لَمْ يُوجَدَا , وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا آلِهَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، بَلْ لَا يَكُونُ الْإِلَهُ إلا واحد ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِلَهُ الْوَاحِدُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَأَنَّ فساد السماوات وَالْأَرْضِ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْآلِهَةِ فِيهِمَا مُتَعَدِّدَةً ، وَمِنْ كَوْنِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ غَيْرَ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا صَلَاحَ لَهُمَا إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ فِيهِمَا هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا غَيْرَهُ , فَلَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ لَفَسَدَ نِظَامُهُ كُلُّهُ ، فَإِنَّ قِيَامَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالْعَدْلِ ، وَبِهِ قَامَتِ السماوات وَالْأَرْضُ . وَأَظْلَمُ الظُّلْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الشِّرْكُ ، وَأَعْدَلُ الْعَدْلِ التَّوْحِيدُ . وَتَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ مُتَضَمِّنٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ الْعَكْسِ , فَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ يَكُونُ عَاجِزًا ، وَالْعَاجِزُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا . قَالَ تَعَالَى : { أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } [ الْأَعْرَافِ : 191 ] , وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 17 ] , وقال تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا } [ الْإِسْرَاءِ : 42 ] . وَفِيهَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَاتَّخَذُوا سَبِيلًا إِلَى مُغَالَبَتِهِ ، وَالثَّانِي ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْقُولُ عَنِ السَّلَفِ ، كَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جرير ولم يَذْكُرْ غَيْرَهُ : لَاتَّخَذُوا سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } [ سورة الدَّهْرِ : 29 ] , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : { لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ } وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا : أَنَّ الْعَالَمَ [ لَهُ ] صَانِعَانِ ، بَلْ جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً اتَّخَذُوهُمْ شُفَعَاءَ ، وَقَالُوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ سورة الزمر : 3 ] ، بخلاف الآية الأولى .