ابن أبي العز الحنفي

76

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَتَاوَى : أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لعلماء بلده : لا يدخل المتكلمون ، وأوصى إِنْسَانٌ أَنْ يُوقَفَ مِنْ كُتُبِهِ مَا هُوَ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ ، فَأَفْتَى السَّلَفُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِيهَا مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ , ذُكِرَ ذَلِكَ بِمَعْنَاهُ فِي " الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ " . فَكَيْفَ يُرَامُ الْوُصُولُ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ ، بِغَيْرِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ؟ ! وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : أَيُّهَا الْمُغْتَدِي لِيَطْلُبَ عِلْمًا . . . كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ تطلب الفرع تُصَحِّحَ أَصْلًا . . . كَيْفَ أَغْفَلْتَ عِلْمَ أَصْلِ الْأُصُولِ وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ ، فَبُعِثَ بِالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْعُلُومِ الأولية والأخروية عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ ، وَلَكِنْ كُلَّمَا ابْتَدَعَ شَخْصٌ بِدْعَةً اتَّسَعُوا فِي جَوَابِهَا ، فَلِذَلِكَ صَارَ كَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَثِيرًا ، قَلِيلَ الْبَرَكَةِ ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، فَإِنَّهُ قَلِيلٌ ، كَثِيرُ الْبَرَكَةِ ، [ لَا ] كَمَا يَقُولُهُ ضُلَّالُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَهَلَتُهُمْ : إِنَّ طَرِيقَةَ الْقَوْمِ أَسْلَمُ ، وَإِنَّ طَرِيقَتَنَا أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ ! وَلا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ : إِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لاستنباط الفقه وَضَبْطِ قَوَاعِدِهِ وَأَحْكَامِهِ اشْتِغَالًا مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ ! وَالْمُتَأَخِّرُونَ تَفَرَّغُوا لِذَلِكَ ، فَهُمْ أَفْقَهُ ! فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَحْجُوبُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ السَّلَفِ ، وَعُمْقِ عُلُومِهِمْ ، وَقِلَّةِ تَكَلُّفِهِمْ ، وَكَمَالِ بَصَائِرِهِمْ , وَتَاللَّهِ مَا امْتَازَ عَنْهُمُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَطْرَافِ الَّتِي كَانَتْ هِمَّةُ الْقَوْمِ مُرَاعَاةَ أُصُولِهَا ، وَضَبْطَ قَوَاعِدِهَا ، وَشَدَّ مَعَاقِدِهَا ، وَهِمَمُهُمْ مشمَّرة إِلَى الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ , فَالْمُتَأَخِّرُونَ 1 فِي شَأْنٍ ، وَالْقَوْمُ فِي شَأْنٍ آخَرَ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . وَقَدْ شَرَحَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ بَعْضَ الشَّارِحِينَ قَدْ أَصْغَى إِلَى أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُمْ ، وَتَكَلَّمَ بِعِبَارَاتِهِمْ . وَالسَّلَفُ لَمْ يَكْرَهُوا التَّكَلُّمَ بِالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ اصْطِلَاحًا جديدا على معان صحيحة ، كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ، وَلَا كَرِهُوا أَيْضًا الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَقِّ وَالْمُحَاجَّةِ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ ، بَلْ كَرِهُوهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أُمُورٍ كاذبة مخالفة للحق ، ومن ذلك مخالفتها الكتاب وَالسُّنَّةِ ، وَلِهَذَا لَا تَجِدُ عِنْدَ أَهْلِهَا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ . وَلِاشْتِمَالِ مُقَدِّمَاتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، كَثُرَ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ ، وَانْتَشَرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ ، وَتَوَلَّدَ [ لَهُمْ ] عَنْهَا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الصَّحِيحِ وَالْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا يَضِيقُ عَنْهُ الْمَجَالُ , وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ : " فَمَنْ رَامَ علم ما حظر عنه علمه " .

--> 1 في الأصل : والمتأخرون .