ابن أبي العز الحنفي
75
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )
بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ ، وَيَرْضَى بِذَلِكَ ، وَيَوَدَّ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِهِ ، وَأَنْ لَا يُؤْمِنَ بِبَعْضِهِ وَيَتْرُكَ بَعْضَهُ ، بَلْ يُؤْمِنُ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ، وَأَنْ يُصَانَ عَنْ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، مِنْ رِوَايَةٍ أَوْ رَأْيٍ ، أَوْ يَتَّبِعَ مَا لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، اعْتِقَادًا أَوْ عَمَلًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ الْبَقَرَةِ : 42 ] . وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، [ وَهِيَ طَرِيقَةُ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَأَوَّلُهُمُ السَّلَفُ الْقَدِيمُ مِنَ التَّابِعِينَ الْأَوَّلِينَ ] ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ , وَمِنْ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الدِّينِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْوَسَطِ 1 بِالْإِمَامَةِ . فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ لِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ 2 : الْعِلْمُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْجَهْلُ ، وَالْجَهْلُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْعِلْمُ ، وَإِذَا صَارَ الرَّجُلُ رَأْسًا فِي الْكَلَامِ قِيلَ : زِنْدِيقٌ ، أَوْ رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ . أَرَادَ بِالْجَهْلِ بِهِ اعْتِقَادَ عَدَمِ صِحَّتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ نَافِعٌ ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ أَوْ تَرْكَ الِالْتِفَاتِ إِلَى اعْتِبَارِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَصُونُ عِلْمَ الرَّجُلِ وَعَقْلَهُ فَيَكُونُ عِلْمًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ ، وَمَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ [ وَالْقَبَائِلِ ] ، وَيُقَالُ : هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ . وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " شِعْرًا " : كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ . . . إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا . . . وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
--> 1 الوسط هنا : خيار الناس وعدولهم ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } . 2 هو بشر بن غياث المريسي أبو عبد الله فقيه معتزلي يرمى بالزندقة أخذ الفقه عن أبي يوسف وهو رأس الطائفة المريسية قال عنه في " اللسان " : مبتدع ضال لا ينبغي أن يروى عنه ولا كرامة .