ابن أبي العز الحنفي
74
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )
وَأَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ خَبَرًا وَأَمْرًا ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَةً لَهُ ، وَمَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةً لَهُ ، وَأَقْسَمَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوهُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُمْ إِذَا دَعَوْا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ، وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَدُّوا صُدُودًا ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ : إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَحُسَّ الْأَشْيَاءَ بِحَقِيقَتِهَا ، أَيْ نُدْرِكَهَا وَنَعْرِفَهَا ، وَنُرِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْعَقْلِيَّاتِ ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ : جَهْلِيَّاتٌ , وَبَيْنَ الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الرَّسُولِ ، أَوْ نُرِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْفَلْسَفَةِ , وَكَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ ، مِنَ الْمُتَنَسِّكَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ : إِنَّمَا نُرِيدُ الْأَعْمَالَ بِالْعَمَلِ الْحَسَنِ ، وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَبَيْنَ مَا يَدْعُونَهُ مِنَ الْبَاطِلِ ، الَّذِي يُسَمُّونَهُ : حَقَائِقَ وَهِيَ جَهْلٌ وَضَلَالٌ , وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتأثرة : إِنَّمَا نُرِيدُ الْإِحْسَانَ بِالسِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَهَا وبين الشريعة ، ونحو ذلك . فكل مَنْ طَلَبَ أَنْ يُحَكِّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَبَيْنَ مَا يُخَالِفُهُ , فَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَافٍ كَامِلٌ ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّقْصِيرُ مِنْ كَثِيرٍ من المنتسبين إليه ، فلم يعلم مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْكَلَامِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ ، وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ الْعِبَادِيَّةِ ، وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْإِمَارَةِ السِّيَاسِيَّةِ ، أَوْ نَسَبُوا إِلَى شَرِيعَةِ الرَّسُولِ ، بِظَنِّهِمْ وَتَقْلِيدِهِمْ ، مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَأَخْرَجُوا عَنْهَا كَثِيرًا مِمَّا هُوَ مِنْهَا . فَبِسَبَبِ جَهْلِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ وَتَفْرِيطِهِمْ ، وَبِسَبَبِ عُدْوَانِ أُولَئِكَ وَجَهْلِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ ، كَثُرَ النِّفَاقُ ، وَدَرَسَ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الرِّسَالَةِ . بَلِ [ إنما يكون ] الْبَحْثُ التَّامُّ ، وَالنَّظَرُ الْقَوِيُّ ، وَالِاجْتِهَادُ الْكَامِلُ ، فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيُعْلَمَ وَيُعْتَقَدَ ، وَيُعْمَلَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَيَكُونَ قَدْ تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَأَنْ لَا يُهْمَلَ مِنْهُ شَيْءٌ . وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ عَاجِزًا عَنْ مَعْرِفَةِ بَعْضِ ذَلِكَ ، أَوِ الْعَمَلِ بِهِ ، فَلَا يَنْهَى عَمَّا عَجَزَ عَنْهُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، بَلْ حَسْبُهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ اللَّوْمُ لِعَجْزِهِ ، لَكِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْرَحَ